الإفتتاحية

برشلونة وريال مدريد .. ومتعة الفن الجميل

أضع رأسي كل ليلة على الوسادة مثل أي إنسان طبيعي، لكنني قطعاً لا أنام مثل أي إنسان طبيعي.. فثمة كوابيس وأحلام وأشرطة وصور، واستذكارات، لبعضها طعم حلو، ولبعضها الآخر طعم أمَّر من الحنظل، فتسرق النوم من عينيَّ دون رحمة أو شفقة..
 من يصدق مثلاً، لو قلت إني أرى قبل أن أغط في نومي،  صوراً، وأفلاماً غريبة وعجيبة، فتارة يأتيني هتلر بلحمه وشحمه، وتارة يأتي محمود درويش الى بيتنا الكبير في مدينة الثورة قطاع ( 43)، ليقرأ لنا قصيدة (مديح الظل العالي)، تلك القصيدة التي كنت أعشقها بجنون. بينما أجد نفسي أكثر من مرة، وأنا أسبح مع هيفاء وهبي (بالبكيني)، وأين؟ في شط كميت بأقصى الجنوب العراقي، حيث مسقط رأسي، وليس في قرية (المحرونة) الجنوبية اللبنانية، حيث مسقط رأس عائلة (هيفه).
وفي مرات عديدة كنت أسبح في الخيال، وليس في الشط وحده، فأسأل نفسي ساعتها اسئلة مجنونة، مثل: كيف، وأين، وفي أية ساعة خرافية سريالية، حضر شياطين الشعر عند رأس المتنبي، وأملوا عليه أبيات هذه القصيدة العظيمة:
(مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي .. وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ
 إِن كانَ يَجمَعُنا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ قَد زُرتُهُ وَسُيوفُ الهِندِ مُغمَدَة.. وَقَد نَظَرتُ إِلَيهِ وَالسُيوفُ دَمُ
 فَكانَ أَحسَنَ خَلقِ اللَهِ كُلِّهِمِ.. وَكانَ أَحسَنَ مافي الأَحسَنِ الشِيَمُ
فقَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوفِ وَاِصطَنَعَت .. لَكَ المَهابَةُ مالا تَصنَعُ البُهَمُ
 أَلزَمتَ نَفسَكَ شَيئاً لَيسَ يَلزَمُها …أَن لا يُوارِيَهُم أَرضٌ وَلا عَلَمُ
 أَكُلَّما رُمتَ جَيشاً فَاِنثَنى هَرَباً … تَصَرَّفَت بِكَ في آثارِهِ الهِمَمُ
عَلَيكَ هَزمُهُمُ في كُلِّ مُعتَرَكٍ … وَما عَلَيكَ بِهِم عارٌ إِذا اِنهَزَموا
أَما تَرى ظَفَراً حُلواً سِوى ظَفَرٍ.. تَصافَحَت فيهِ بيضُ الهِندِ وَاللِمَمُ
يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي … فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ
 أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً …أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ
وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ … إِذا اِستَوَت عِندَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ
أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي … وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ
أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها … وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ
إِذا نَظَرتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةً .. فَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ مُبتَسِمُ
 ا مَن يَعِزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم … وِجدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ
إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنا … فَما لِجُرحٍ إِذا أَرضاكُمُ أَلَمُ ..)
نعم هكذا أنا قبل أن أنام كل ليلة، أرتل هذه الأبيات أو مثيلاتها، بيتاً بيتاً، وأتذوقها كما أتذوق النبيذ الفرنسي، فأشعر بما لا يشعر به غيري، سواء أكان ملكاً أو شحاذاً. وفي لجة هذا الجمال الوارف، ينبري سؤال مفاجئ سخيف (لا عالبال ولا عالخاطر) أطرحه على نفسي، وأقول فيه: هسه هذا حسين كامل (الحمار)، شرجعه من الأردن للعراق، وهو يعرف دموية صدام أكثر من أي واحد بالدنيا..؟
لكني أعود، وأقول: هاي حوبة أبي عبد الله الحسين !!
والمشكلة هنا أن كل هذه الأفلام والصور لا تمر في شريط الأحلام أثناء نومي، إنما تأتي كلها قبل ذلك، أي في الأوقات التي أكون فيها بين النوم والصحو..
البارحة مثلاً، وكالمعتاد تجولت في رأسي الصور والأسئلة والمشاهد المُرَّة والحلوة، والأخبار التي تخصني والتي لا تخصني، وكذلك الحروب، والتفجيرات، والفساد المالي والإداري في العراق، وقسوة الظروف المعيشية، والأمراض التي داهمتنا من غير موعد مسبق، وكان لا بد أن تحضر الأسئلة الموجعة، ومن بينها: ما الأسباب الغريبة التي تدفع شخصاً ما لكتابة مقال، أو (بوست)، أو تعليق في النت، أو في الفيسبوك، باسم مستعار، ضد  صديقه العزيز، أو ضد رفيق عمره، أو ضد زميلة صباه.. وسيكون الأمر أثقل وجعاً، حين تأتي هذه الإساءة بدون مبرر، أو بدون إساءة من الطرف الآخر؟ وبين كل هذه الهواجس المؤلمة، والأفكار، والصور الكارثية، يطل علينا الجمال مرسوماً بأقدام ميسي ونيمار وسواريز وأنيستا وبقية الجوق الموسيقي الكاتلوني، الذي يعزف أرقى سمفونيات المتعة الإنسانية في هذا العصر اللا إنساني، فنسكر بخمرة الأهداف التي يسكبها في أفواهنا ميسي، وما أن تنتهي مبارة البرشا بروعتها الكاملة، حتى تأتي مباراة الريال ، فتجد كتيبة زيدان الفنية على مسرح الجمال، وهي تقدم لك أحلى العروض الفنية الكروية، فتستطعم لذة الفن الجميل، وكأنك تتذوق عسلاً استثنائياً..  كل هذا يحدث وانا بين اليقظة والنوم . وهنا فقط تمنيت أن يظل رأسي على الوسادة، وأن تظل الصور متواصلة دون توقف، لأن فنون وجمال وسلام وحب وألحان البرشا وريال مدريد تنسينا أوجاعنا، ومصائبنا كلها، بدءاً من مصيبة فايروسات داعش وانتهاء بمصيبة الذباب، الذي بات اليوم يعيش معنا، بل ويشاركنا حتى (فراشنا) العائلي!!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان