قد يظن البعض أني منحاز لمنطقة بغدادية دون غيرها، او لمدينة عراقية دون أخرى، والحقيقة أن كل هذا الظن إثمٌ وليس (بعضه) .. فأنا عراقي من رأسي حتى قدمي، عراقي في الإنتماء والهوية والهوى والجذر والممات، ولا أفرق بين ناحية كميت مسقط رأسي الأول، ومدينة النجف مسقط رأسي الأخير.
لذلك فأنا حين اتساءل(لماذا الكرادة وليس المنصور؟) فهذا لا يعني أني أحب الكرادة، ولا أحب المنصور!
أو أني لا سمح الله أحرض عصابات داعش على ضرب المنصور، فمعاذ الله أن أفكر بمثل هذا التفكير السيء، لأن من يحب العراق، يتوجب عليه أن يحبه كله دون تمييز، ودون انتقاء، وأن يحبه كما هو أو كما يقول أهلنا في الجنوب: ( لحم على بارية)!!
لكن، وبعد تكرار المآسي في الكرادة، يتوجب علينا أن نضع اصبعنا على الجرح، ونفكر بجدية : لماذا تضرب الكرادة مرات عديدة، بكل هذه القسوة ؟
إذ لا يمكن السكوت الى الأبد، ونحن نرى بأم أعيننا كيف يسقط أبناؤنا، وإخواننا، وفلذات أكبادنا قتلى بدون معالجات، كما لا يمكن لأحد أن يجبرنا على أن نلعق جراحنا، ونمضي الى ضفاف النسيان، بينما نهر الدم العراقي يجري دون توقف!
لذا فإني أسأل وأقول: لماذا هذا التكرارغير الطبيعي لعمليات التفجير الكبيرة في منطقة الكرادة، وليس في المنصور، أو الأعظمية مثلا؟ً..
ربما يجيبني البعض ويقول: إنه استهداف للدم الشيعي..! وأنا أقول نعم هذا صحيح، ولكن: لماذا لا يستهدف الإرهاب الوهابي الداعشي مناطق شيعية أخرى، قد تكون هي أكثر شيعية من الكرادة، أو ربما يكون قد استهدفها، لكن بشكل متقطع، وبعمليات بسيطة ..؟ ولماذا يستهدف الإرهاب منطقة الكرادة قبل وأثناء أي موسم تجاري، كحلول شهر رمضان، وقدوم الأعياد، وغير ذلك من المواسم التي تنشط فيها الأسواق بحركة البيع والشراء..؟
أنا أتفق مع من يقول إن الدم الشيعي هو المستهدف الأول في فكر، ومنهج وأجندة الوهابيين، سواء أكانوا من داعش أو من القاعدة، وهذا أمرٌ لا يخفيه أحد منهم .. لكن الأمر الذي يخفيه كل الداعشيين هو استهدافهم لاقتصاد الشيعة، ولأسواق الشيعة، أي أنهم يفكرون بتدمير الوجود الشيعي عبر تدمير اسواقهم .. وتجارتهم، ورغيف خبزهم.. بينما بالمقابل ترى الإرهابيين يحرصون على سلامة اقتصاد وتجارة واسواق الآخر.. وأمامكم الخارطة الزمكانية للعمليات الإرهابية، ولكم أن تحصوا عدد التفجيرات التي حصلت في الكرادة قبل واثناء شهر رمضان المبارك، وقبل قدوم عيدي الفطر والأضحى، وأعياد الميلاد ورأس السنة، مقابل عدد التفجيرات التي حصلت في الضفة المنافسة تجارياً : أي منطقة المنصور ؟!
والجواب: إن عدد التفجيرات في الكرادة كبير جداً، بينما لا يوجد تفجير واحد في المنصور !! والسبب: أن اسواق الكرادة شبه مقفلة للشيعة، واسواق المنصور شبه مقفلة للسنة! ..
لذلك تزدهر الأسواق، وتنشط عمليات البيع والشراء هذه الأيام في أسواق المنصور بسبب عدم حصول عمليات ارهابية فيها، بينما تتكسد الأسواق والبضائع في الكرادة بفعل الضربات الإرهابية الموجعة لها، ومن الطبيعي أن يتوجه المتسوقون الى المنصور، وليس الى الكرادة، التي كانوا يتبضعون من اسواقها أيام زمان..
وسيحصل نفس الشيء قبل قدوم عيد الفطر بأسبوع تقريباً، إذ سيتوجه الوهابيون الداعشيون الى الكرادة بمتفجراتهم، وليس الى المنصور، وهنا يجدر بنا أن نذكر بأن العصابات الوهابية لم تتوقف عند اسواق الكرادة في سعيها لتدمير البنية الإقتصادية للشيعة، إنما فعلت الأمر نفسه في اسواق جميلة اكثر من مرة، ولم تفعله مرة واحدة في اسواق الكرخ، لأن أغلب تجار جميلة هم من ابناء الطائفة الشيعية، بينما أغلب تجار أسواق وعلاوي الكرخ الكبيرة من ابناء الطائفة السنية، ونفس الشيء فعلته في أسواق الصدرية الشيعية، فقد توجه اليها الإرهابيون خمس مرات، بشاحنات كبيرة كانت كافية لتدمير سور الصين العظيم، وليس لتدمير سوق تجاري فحسب.. كما فعل داعش نفس الأمر مع اسواق مدينة الصدر، فهل تصدقون مثلاً أنهم فجروا اثنتين وعشرين سيارة في أسواق هذه المدينة فقط.. وأنهم استهدفوا فيها مطعماً شعبياً يحمل اسم مطعم (حبايبنا) ثلاث مرات وبكميات تفجيرية هائلة لمجرد أنه مطعم شيعي (شغال)، ونتيجة لذلك فقد أغلق هذا المطعم تماماً؟! ونفس الشيء حدث مع مطعم (جاوي) في الثورة داخل .. إذ فجره الارهابيون ست مرات.. ومن يشكك بما أفكر فيه، عليه أن يمضي الى اسواق الكرادة، ومن ثم الى اسواق المنصور، وسيجد أن سعر المحل في الكرادة قد هبط الى ارقام لا تصدق، بينما سيبحث طويلاً لكي يحصل على محل صغير معروض للبيع في المنصور، وبسعر خيالي. وهذا ما يسعى اليه الوهابيون الداعشيون.
ختاماً، أنا لا أريد للكرادة أن ترتقي على اكتاف المنصور، لكني لا أقبل قطعاً أن تركع الكرادة تحت أقدام المنصور، فالمنطقتان عراقيتان، وكلاهما في قلبي، وعينيَ، والله شاهد على ما أقول.

