لا يختلف اثنان على نجاح العمامة السياسية في ايران.. رغم اني ادعو الى ابعاد العمامة عن (وسخ ) الدنيا، وتفرغها الى جمال ونظافة الدين.. ومبرري في ذلك أن كل من يزور ايران، ويرى إنجازات وصمود الشعب الإيراني ويتابع أداء حكومته النزيهة والصالحة والرشيدة فعلاً، ويراقب أنشطة المؤسسات الإصلاحية، وحركة الشخصيات الدينية (المعممة) فيه، سيتفق معي على نجاح العمامة الايرانية سياسيا.. وقبل ذلك سيطرح على نفسه ذات السؤال الذي طرحته على نفسي، وأصدقائي الف مرة، وأنا أفتح فاهي عجباً لما تحقق في هذا البلد المحاصر بالعداء والحقد والغيرة، من جهات إقليمية ودولية !
وهو نفس السؤال الذي طرحته عليَّ زوجتي، وهي ترى ما أراه هناك من تقدم، وقوة، ونظام، وعافية، وحضارة، ومدنية، ونظافة، والتزام، وشعور بالمسؤولية، وتكيف مرن مع الظروف، من غير أن يطمع مواطن فقير بأموال مواطن غني، أو يطلب موظف كبير، او صغير رشوة من مواطن آخر. سؤال أردده مع نفسي، وسيردده غيري مع نفسه وسيقول:
يا ربي ليش احنه مو مثل ايران؟!
نعم .. ليش احنه مو مثل ايران..؟
فإذا كان عذرنا ان العراق قد خرج من عبودية نظام دكتاتوري جائر، أو كان قد تعرض لحصار اقتصادي عسير، أو هو اليوم هدف لتآمر ارهابي طائفي إقليمي، فإن إيران تعرضت ايضا الى حصار دولي امتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، قطعت فيه امريكا وحلفاؤها شرايين التواصل الإيراني مع أغلب دول العالم، بعد ان أغلقت كل طرق النجاة المؤدية الى إنعاش معيشة هذا الشعب الصابر.. فخنقت أنفاسه، وهو الخارج من نير سلطة شاهنشاهية استبدادية جائرة، ومن جحيم حرب ضروس أكلت منه ومن شقيقه العراق الأخضر واليابس. بل إن الحصار والحرب العراقية الإيرانية الطويلة، كبلا يدي ايران بقيود مالية باهظة، في نفس الوقت الذي توقف فيه نفطه عن التصدير وجُمّدت امواله في مصارف امريكا والعالم، وهُدّمت مدنه، وخرّبت معامله ومصانعه الكبيرة، وتحطم اقتصاده بأسلحة الحرب والحصار.. ناهيك عن مؤامرات السعودية واتباعها، ومخططات اسرائيل الجهنمية، التي لم تتوقف لحظة واحدة عن تحريض دول العالم، والضغط بمختلف الوسائل المادية والنفطية واللوبية على القوى المؤثرة بأمريكا واوربا من اجل عدم فسح المجال لطهران بالعودة مرة اخرى للمجتمع الدولي، أو إعادة الروح لهذا الشعب المكافح، حتى وصل الأمر بأن تخوض السعودية وحلفاؤها، ومرتزقتها معارك، لها صلة مباشرة او غير مباشرة بالمواقع والمكونات والقوى المنضمة عقائدياً ومذهبياً ووطنياً لإيران، كان آخرها الهجوم الارهابي على مبنى البرلمان الإيراني وضريح الإمام الخميني، وسقوط عدد من الضحايا في العملين الإرهابيين في محاولة لجر هذا البلد الى نار الحروب الطائفية القذرة التي اشعلت السعودية وقطر فتيلها في اكثر من بلد، وموقع.. لكن، ورغم كل هذا الحصار والتآمر والحرب والتجويع، فإن طهران لم تستسلم، ولم تضعف بعد أن راحت تزرع وتصنع كل شيء تحتاجه بحيث لم تحتج لأي منتوج أجنبي، وها هي اليوم من اكبر الدول المصدرة في المنطقة. كما ان طهران لم تتراجع عن مشروعها الوطني المستقل أو عن منهجها الأخلاقي والديني والثقافي الكوني قيد أنملة، ولا عن دعمها للقوى الساعية للحرية والإستقلال والتقدم في العالم، مدافعةً، ومضحية بمالها، وبدماء رجالها -كما حصل ويحصل في سوريا ولبنان واليمن والعراق وفلسطين -مانحة الشعوب المتطلعة للحرية، فرصة للإقتداء بإنموذجها الوطني، وضاربة بذلك أروع الأمثلة في طريق التحرر، والقرار الوطني المستقل.
انا لا اتحدث عن الثقافة الدينية او العقائدية التي تنتهجها العملية السياسية في ايران، سواء في انتهاج مبدأ ولاية الفقيه، او في غيرها، فهذا أمر لا يعنيني، بقدر ما تعنيني تجربة الصمود والتحدي الايراني بوجه مجمل الظروف القاهرة التي تعرضت لها دون ان تتراجع، او تنحرف، او تنكسر.. لقد رأينا في ايران شعباً ملتزماً، لا يعبر فيه المواطن شارعاً من غير الأماكن المخصصة للعبور، ولا عاملاً في مطعم ما لم يرتدي القفاز الصحي. والجمهورية الإسلامية بلد آمن، ينام فيه المواطنون دون الحاجة لأقفال، او سلاسل على الأبواب، بلد جميل عطر، يكتنز فيه الخضار، وتزين الزهور أرضه الواسعة. ورأينا هناك ايضا مدناً نظيفة، بحيث يصعب على موظفي الصحة العثور على ذبابة واحدة لمكافحتها، أوعلى بعوضة او حشرة من الحشرات!
فإيران بلد تكثر فيه المدارس والمستشفيات والمتنزهات والمولات، والمواقع السياحية والمطاعم الفاخرة، بينما تنعدم فيه مراكز الشرطة، والسجون، والمصحات العقلية..
أما المعممون في ايران فحكايتهم غير حكاية معممي العراق، فهم رغم عددهم الكبير جداً، فإن مكانهم الجوامع والحسينيات، ومدارس الفقه، والمراكز الدينية، ولا أثر لهم في الشوارع، او دوائر الدولة، أو المراجعات الحكومية، والوساطات التجارية، فهم باستثناء القيادات المعممة الكبيرة، والشخصيات الدينية الجهادية المعروفة، التي رافق بعضها جهاد السيد الخميني، وهؤلاء عددهم قليل جداً، فإنك لن ترى احداً من المعممين يراجع دوائر امانة العاصمة لأجل الحصول على قطعة ارض، أو تراه في مكتب وزير الكهرباء لأجل عقد نافع له، أو تراه يتوسط لتاجر معين عند وزير التجارة من اجل صفقة تجارية!
لذلك نجحت العمامة السياسية في ايران.. وفشلت في العراق ..

