الإفتتاحية

تقارب إيران وأمريكا.. قوة وحماية للعراق

فالح حسون الدراجي

   يكذب من يقول أن الوضع في العراق لا يعني الإيرانيين، كما يخطئ من يظن بأن ما يحدث في إيران لا يخص العراقيين.. فالعراق وإيران بلدان وشعبان متشابكان في الحدود والمصالح والمصير والمشاعر أيضاً.. وإن ما يحصل في العراق سلباً أو إيجاباً ينعكس حتماً على الوضع في الشارع الإيراني، ونفس الشيء يحدث في العراق، حين تتعرض الجارة إيران الى أمر ما.. وقد تأكد ذلك بالتجربة والبرهان في كثير من الأحداث والمتغيرات التي جرت في البلدين.. وكان آخرها العقوبات الدولية التي تعرضت لها إيران قبل فترة بسبب برنامجها النووي، وما تركته هذه العقوبات، والتهديدات المتبادلة من تأثير على المنطقة بشكل عام، وعلى العراق بشكل خاص. لذا فإن مستقبل بلدينا – سواء رضينا أم أبينا – على مرمى خطر واحد.. هذا على جانب العلاقة مع إيران، أما على علاقة العراق بأمريكا، فإن الأمر لايحتاج الى أدلة أو براهين كثيرة، بل ولا يحتاج الى كلام وتنظير وفلسفة.. لأن لأمريكا تأثيراً على العالم كله، وليس على العراق فحسب.. ناهيك عن أن الوضع الأمني والسياسي والإجتماعي (المخربط) في العراق يستدعي لمرات عديدة تدخلاً أمريكياً -ولا أقصد بذلك تدخلاً عسكرياً وعودة ثانية للجيش الأمريكي الى العراق- إنما أعني وأقصد تدخلاً استخباراتياً ولوجستياً لمساعدة العراق أمنياً وعسكرياً، خصوصاً في موضوعة مكافحة الإرهاب، وهجومات الإرهابيين التي لم تتوقف، فضلاً عن موضوع الدعم الدبلوماسي، والسياسي، والإقتصادي الأمريكي، ومساندة الشعب العراقي في إنجاز مشروعه الوطني الوحدوي.

   وأزاء هذه العلاقة المميزة للعراق مع  أمريكا وإيران، فإن العراقيين يطربون للتقارب بين الشعبين الأمريكي والإيراني، ويسعدون حين يكون البلدان على وئام وسلام. والعكس صحيح أيضاً، إذ سيكون الشعب العراقي أكبر الخاسرين حين يتباعدان أو يتخاصمان.  ويقيناً أن سوء العلاقة بين أمريكا وإيران سينعكس على العالم كله، بدءاً من سوريا ولبنان والسعودية والبحرين والكويت وقطر واليمن مروراً بمصر، والسودان، والجزائر، وإسرائيل، وليس إنتهاء بروسيا، والصين وكوريا وغيرهم.. وإذا كان تأثير الحرب الباردة، أو (الحارة) بين أمريكا وإيران سينعكس على الوضع في الصين -وهي التي تبعد عن البلدين مليون ميل- فكيف لاينعكس على الوضع في العراق، إذا كان العراق لايبعد عن إيران أكثر مما تبعد النهضة عن علاوي الحلة؟!

   لقد إنتصرت إيران بالإتفاق الرائع الذي تم بينها وبين أمريكا.. وبالإتفاق الذي حصل في مفاوضات جنيف 3 بينها وبين مجموعة 5+1، ذلك الإتفاق التاريخي الذي نالت بواسطته إيران اعترافاً بحق تخصيب اليورانيوم في أراضيها، وليس في أرض آخرى، كما حصلت على مكسب لايقل أهمية يتمثل برفع الحظر عن التأمين والنقل وعدم زيادة الحظر على النفط كما سيتم الإفراج عن العائدات النفطية.. وهناك مكاسب كبيرة أخرى حققتها أيران من خلال هذا الاتفاق تشمل رفع الحظر عن البتروكيميات وصناعة السيارات، والذهب والمعادن الثمينة، إضافة الى الحفاظ على البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. بينما حققت أمريكا إنتصاراً عظيماً عبر اختيارها طريق الحوار والسلام، بدلاً عن طرق الحرب والتدمير، لتزيل بذلك عامل القوة والحرب الذي تعاملت به أمريكا في كل القضايا المشابهة، وتمزق بهذا الإتفاق صورتها الحربية التي كانت مرسومة في أذهان شعوب المنطقة. كما أن هذا الإتفاق السلمي خدم الرئيس الأمريكي أوباما كثيراً، وأعطى لبرنامجه الذي عرضه في الإنتخبات الرئاسية مصداقية أكيدة، لاسيما في قضية السلام، وإطفاء بؤر التوتر في العالم، وإبعاد شبح الحرب مع الدول التي تختلف معها أمريكا.. ناهيك عن المكاسب الفنية التي حققتها أمريكا والدول المتحدة معها، بشأن الملف النووي الإيراني عبر هذا الإتفاق، منها أن ايران لن تقوم قط بتوسيع نشاطاتها خلال أشهر السنة القادمة في مواقع (اراك، ونطنز، وفردو)، كما ان إنتاج اليورانيوم وتخصيبه بنسبة 20 % لن يستمر خلال الأشهر الستة القادمة. ومن كل هذا يتضح أن إيران (المنتصرة) وأمريكا الرابحة في هذا الإتفاق، لن يكونا لوحدهما الرابحين إنما سيكون المجتمع الدولي بشكل عام، والعراق (شعباً وحكومة واقتصاداً) بشكل خاص أكبر الرابحين من نجاح الإتفاق في جنيف 3 وأكبر المستفيدين من التقارب الأمريكي الإيراني. وباستثناء السعودية التي ارتدت السواد حداداً على إنتصار إيران في ملحمة جنيف 3، وخروجها سالمة من المعمعة التي كانت تتأمل منها اندحاراً لدولة (الروافض)، فإن العالم المحب للسلام رقص فرحاً لهذا الإنجاز الإنساني العظيم. وهل هناك أكثر سبباً للفرح من خلاص العالم من بؤرة للتوتر والقلق والخوف من حرب مدمرة؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان