الأولى

" الحقيقة " ترافق وزير الداخلية الى مدن آمرلي وسليمان بيك وطوز خورماتو: هكذا يكون المسؤول شجاعا ورحوما في آن واحد .. وإلا فلا !

بقلم – رئيس التحرير

 

لم أتردد لحظة واحدة، عن قبول دعوة معالي وزير الداخلية قاسم الأعرجي لمرافقته بزيارة مدن آمرلي وسليمان بيك وينكجة ومركز قضاء طوز خورماتو. وعلى الرغم من محاولات بعض الزملاء الداعية لثنيي عن قبول هذه الدعوة الكريمة، بحجج أمنية معقولة، إلاَّ أني أصررت على مرافقة هذا المسؤول الشجاع مهما تكون النتائج، مفضلاً المضي معه الى هذه المدن العراقية الباسلة، واللقاء بأبنائها على أي أمرٍ آخر.  فاللقاء بالذين صمدوا في مدنهم صموداً اسطورياً، وقاتلوا قتالاً يعجز القلم عن توصيفه، وكسروا بشجاعتهم أنوف الداعشيين، يستحق التعب والعناء، بل والمخاطرة ايضاً.

 

موكب طويل، وتنظيم عال

انطلق الموكب الطويل الذي ضم معالي الوزير قاسم الأعرجي، والسادة الوكلاء، وكبار قيادات وزارة الداخلية، قاطعاً طريق بغداد ـ كركوك بالسيارات، بعد أن تعذر السفر بالطائرات لأسباب فنية..

كانت السيارة التي تقلنا في هذا الموكب، تضم الزميل اللواء الدكتور سعد معن مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، مع اثنين من مساعديه..

وللإمانة، فإني لم أشهد في حياتي عملاً منظماً ودقيقاً ومعداً إعداداً جيداً مثل الذي رأيته في هذه الرحلة.. فقد سعدت جداً وأنا أرى في الطريق تنظيماً أمنياً دقيقاً، وانضباطاً عالياً، وحرصاً تاماً على سلامة كل شيء، سواء ما يتعلق بسلامة الموكب نفسه، أو بسلامة المناطق والمواقع التي ذهبنا اليها، أو التي مررنا بها.

 

في آمرلي الصمود والبطولة

في الطريق الى آمرلي، التحق بالموكب الدكتور أحمد عبد الله الجبوري محافظ صلاح الدين يرافقه عدد من قائمقاميي ومديري نواحٍ، ومديري شرطة، وقادة العمليات في محافظة صلاح الدين. وحين وصلنا الى مدينة آمرلي الباسلة، لم يكن صعباً علينا رؤية الدمار الذي لحق بالمدينة جراء العميات الحربية التي جرت على ارض هذه المدينة الشجاعة، إذ وضعت الحرب بصماتها على واجهات البيوت والمحلات والمدارس وكل شيء، وإذا كان سخام التفجيرات، وسواد القصف الإرهابي قد غطّى وجه المدينة، فإن بياض النصر قد رسم الف علامة للنصر على وجوه أبناء هذه المدينة الأسطورية التي أذاقت تنظيم داعش كؤوس الموت والهزيمة الساحقة. 

 

هتافات وتصفيق في حسينية علي السجاد 

ما أن وصل الموكب الى حسينية علي السجاد في مدينة آمرلي، حيث اختار الوزير الأعرجي أن يكون فيها لقاؤه بالمواطنين والوجهاء والشيوخ والمسؤولين، حتى اكتظت الشوارع المحيطة بالحسينية، وتجمع المواطنون من كل حدب وصوب، كانوا شيوخاً واطفالاً، مدنيين ومقاتلين، رجال دين، وطلبة مدارس، نساءً محتشمات ورجالاً بمختلف الأزياء القومية.

 وحين ترجل الوزير من السيارة استقبله المواطنون بالصلوات، والهتافات، وزغاريد النساء، فقلت لأحد الشباب: أتعرف هذا الشخص الذي تهتف له – وأنا أؤشر بإصبعي نحو الوزير ؟

فقال: نعم، هذا المجاهد البطل قاسم الأعرجي !

ولا أخفي عليكم، فقد فوجئت برد هذا الموطن وهو يسمّي الأعرجي بالمجاهد، وليس بالوزير!

فأدركت في الحال أن هذا الجمهور واعٍ ومدرك لمن يهتف، ويعرف لمن يصفق.

 

الوزير ينبه مدير شرطة 

سليمان بيك

في ناحية سليمان بيك، لم يمض الوزير الى الجامع، أو الحسينية كما فعل في آمرلي، إنما مضى الى مركز الشرطة الرئيسي في الناحية، فالرجل يعرف (شغله)، ويفهم الى أين يمضي، وفي أي موقع يستقر.. في مركز الشرطة جلس الوزير خلف المنضدة، بحضور محافظ صلاح الدين وحشد المسؤولين في المحافظة، فنادى على العقيد مدير شرطة الناحية، وسأله: كم منتسب لديك في القسم؟

فتلكأ العقيد بالجواب، ثم أخبره بالعدد، وهنا فاجأه الوزير بسؤال لم يتوقعه:

كم منتسب عندك من العرب، وكم من الكرد، والتركمان؟

فقال العقيد: لا أعرف سيدي !!

فقال له الوزير: كيف لا تعرف أعداد العرب والكرد والتركمان في القسم، وانت مسؤول أمني في مدينة متنوعة القوميات  .. ثم كيف ستحفظ التوازنات بين المكونات..؟

وأكمل الوزير كلامه قائلاً:

لنفرض أن نسبة التركمان في الناحية 75% وباقي المكونات 25% دون أن تعرف ذلك، وهنا قد تأتي بمئة منتسب من العرب، أو من الأكراد، وقد لا تأتي بعشرة أو بخمسة من المنتسبين التركمان، والسبب ليس لأنك ضد التركمان لا سمح الله، إنما لجهلك بهذه النسب السكانية، فتقع هذه الشريحة المهمة بسبب عدم انتباهك في ظلم عظيم. 

 

الأعرجي في أزقة وأسواق ينكجة

لم يكن الوزير فتى شجاعاً فحسب، إنما وجدته طيباً، ونقياً، ورحوماً أيضاً.. فقد ذهب يمشي على قدميه الى الأسواق والشوارع الضيقة، والمحلات المحروقة بفعل الحرب مع الإرهاب، ولم يستمع لكلمات المسؤولين عن الأمن.. لأنه باختصار أراد أن يسمع مشاكل الناس بنفسه لا عن طريق التقارير، والوكلاء، فاستمع الى المواطنين واحداً واحداً، وحلَّ مشاكلهم، وناقش مع المسؤولين في المحافظة جميع طلبات هؤلاء المواطنين، فرسم بذلك صورة أمنية، وصورة أخرى سايكولوجية، تعطي لمواطني المدينة الثقة أولاً، وتمنح العالم انطباعاً مفاده أن الأمن في هذه المناطق مستتب تماماً، وأن داعش خرج ولن يعود، وأن الأخوّة بين مكونات الشعب صلبة وقوية بعون الله، مثلما أراد أن يقول للوزراء والمسؤولين جميعاً : أن اخرجوا للناس، ولا تقبعوا بمكاتبكم صامتين !

 

غداء الوزير في مطعم شعبي بطوز خورماتو !

وأخيراً وبعد رحلة طويلة ومتعبة، لكنها رائعة ومفيدة جداً، قرر الوزير أن نتناول غداءنا – في الساعة الرابعة عصراً حوالي – بمطعم شعبي في طوز خورماتو .. ألم أقل لكم إن هذا الوزير شجاع، وشعبي، وابن بلد حقيقي ؟!

فكان الغداء لذيذاً وطيباً، وكان يلاطف الجميع، ويصوّر مع كل من يطلب التصوير معه.. وللحق فإن الوزير كان يأكل وعينه على أفراد الحمايات والجنود البسطاء، ليتأكد بنفسه بأن هؤلاء الأبطال قد تناولوا غداءهم جميعاً..

قبل نهاية الجولة ، سألني الوزير قائلاً:

ماهو انطباع رئيس تحرير الحقيقة؟

ابتسمت، وقلت له: ستقرؤه غداً معالي الوزير .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان