أميرة ناجي / بغداد
هناك فنانون يرسمون ما تراه العين وهناك فنانون يرسمون ما تختزنه الذاكرة. وبين هذين العالمين تقف تجربة الفنان العراقي مؤيد محسن في منطقة نادرة يصعب تصنيفها بسهولة. فعند التأمل في أعماله لا نشعر أننا أمام مشاهد طبيعية أو شخصيات بشرية أو عناصر من البيئة الجنوبية العراقية بل أمام عالم بصري يعيد تشكيل العلاقة القديمة بين الإنسان والأرض والماء والزمن.
تبدو أعماله وكأنها خرجت من طبقات الطين الأولى التي تشكلت فوق ضفاف الأنهار القديمة. كل شيء فيها يحمل أثر المكان ويحتفظ بصدى التاريخ. الإنسان لا يظهر منفصلاً عن الطبيعة بل مندمجاً معها إلى درجة التماهي الكامل. القصب يتحول إلى جسد، والجسد يتحول إلى ذاكرة والذاكرة تتحول إلى صورة تتجاوز حدود الواقع المباشر لتدخل فضاء أكثر عمقاً واتساعاً.
قال الفنان الألماني الكبير أنسلم كيفر:
الفن لا يصف الجراح بل يكشف ما تركته داخل الذاكرة.
تكشف هذه المقولة جوهر العملية الفنية الحقيقية. فالفن ليس إعادة إنتاج للوقائع ولا تسجيلاً بصرياً للأحداث وإنما بحث متواصل عن الأثر الخفي الذي تتركه التجارب الإنسانية في أعماق الروح. ما يبقى بعد انطفاء الحدث هو ما يبحث عنه الفنان الحقيقي. وما يميز تجربة مؤيد محسن أنها تنطلق من هذا الأثر العميق. فهو لا يرسم المكان كما يبدو في لحظة عابرة بل كما استقر في الوجدان عبر سنوات طويلة من التفاعل الإنساني مع الأرض والماء والحكاية.
في أعماله يتحول المشهد اليومي إلى رمز. وتتحول العناصر البسيطة إلى إشارات بصرية مفتوحة على احتمالات متعددة من القراءة والتأويل. القوارب لا تؤدي دوراً وظيفياً داخل التكوين وإنما تتحول إلى استعارات للرحلة والانتظار والعبور. والشخصيات لا تمثل أفراداً بعينهم وإنما تبدو امتداداً لجماعة كاملة تحمل ذاكرتها فوق أكتافها وتمضي في طريق طويل بين الحضور والغياب.
تنتمي هذه التجربة إلى فضاء فني يمكن وصفه بالسريالية العراقية ذات الجذور الحضارية. وهي سريالية تختلف في طبيعتها عن النماذج الأوروبية الكلاسيكية. فمصادرها لا تأتي من الأحلام الفردية وحدها بل من تراكمات التاريخ والأسطورة والذاكرة الشعبية. لذلك تبدو التحولات الغرائبية في أعمال مؤيد محسن جزءاً طبيعياً من المشهد وليست عناصر صادمة أو دخيلة عليه.
تظهر الشخصيات وكأنها نبتت من الأرض نفسها. تتحد مع القصب والطين والماء حتى تتلاشى الحدود الفاصلة بين الإنسان والبيئة المحيطة به. هذه العلاقة العضوية تمنح الأعمال طابعاً خاصاً يجعلها قريبة من الأساطير الرافدينية القديمة التي لم تكن ترى الإنسان كائناً منفصلاً عن الطبيعة بل جزءاً من منظومتها الكبرى.
ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في هذه الأعمال، أنها لا تكتفي باستحضار المكان وإنما تعيد بناءه وفق رؤية شعرية خاصة. فالأهوار لا تظهر كمساحة جغرافية محددة بل كفضاء روحي واسع. والماء لا يبدو مجرد عنصر طبيعي بل ذاكرة سائلة تحمل آثار الأزمنة المتعاقبة. أما القصب فيتحول إلى لغة بصرية متكاملة تنطق بما تعجز الكلمات عن قوله. ولهذا يشعر المتلقي أنه لا ينظر إلى مشهد خارجي بل يدخل إلى عالم داخلي يتشكل من الحنين والغياب والاستذكار.
من الناحية التقنية تكشف الأعمال عن خبرة أكاديمية راسخة في البناء التشكيلي. فالتكوينات محكمة ومتوازنة والعلاقات بين الكتل والفراغات مدروسة بعناية واضحة. لا شيء يبدو عشوائياً داخل اللوحة. كل عنصر يحتل مكانه ضمن نظام بصري دقيق يمنح المشهد استقراره الداخلي ويعزز حضوره التعبيري.
أما اللون فيشكل أحد أهم مفاتيح القراءة الجمالية. إذ تعتمد الأعمال على منظومة لونية هادئة تتدرج بين الأصفر الترابي والبني والأخضر والرمادي الذهبي. وهي ألوان تنتمي إلى البيئة الجنوبية العراقية وتستحضر في الوقت نفسه إحساساً عميقاً بالحنين والدفء والقدم. لا تعمل هذه الألوان على توصيف المكان فقط بل تساهم في بناء الحالة النفسية العامة للمشهد.
ولا يمكن الحديث عن اللون في تجربة مؤيد محسن دون التوقف عند قدرته على خلق انسجام بصري بالغ الاهمية، فالالوان تدخل في حوار هادئ ينتج إيقاعاً بصرياً متوازناً. حتى الدرجات اللونية المتقاربة تبدو وكأنها تتحرك داخل اللوحة بإيقاع موسيقي خافت يمنح المشهد سكينته الخاصة. وهذه السكينة ليست غياباً للحركة بل حضوراً عميقاً للتأمل.
ويحتل الضوء دوراً بالغ الأهمية داخل هذه التجربة. فهو لا يؤدي وظيفة طبيعية مرتبطة بمصدر محدد للإضاءة بقدر ما يتحول إلى عنصر تعبيري يكشف المزاج الداخلي للعمل. أحياناً يبدو الضوء كأنه صادر من الذاكرة ذاتها. وأحياناً أخرى يتسلل بهدوء فوق الكتل والأشكال ليمنحها بعداً تأملياً يضاعف من حضورها الرمزي.
وتبرز قيمة التكنيك أيضاً في معالجة الأسطح والملامس. فالفنان يمتلك قدرة واضحة على منح المادة المرسومة حضوراً حسياً مقنعاً.
يمكن للمشاهد أن يشعر بخشونة الطين ونعومة الماء وملمس القصب وحركة الريح عبر التدرجات اللونية الدقيقة والعلاقات البصرية المتقنة بين العناصر المختلفة.
ومن أبرز السمات التي تمنح أعمال مؤيد محسن فرادتها قدرته على إنتاج الغرائبية الهادئة. وهي غرائبية لا تعتمد على المفاجأة البصرية أو الصدمة الشكلية. بل تتسلل إلى المشهد تدريجياً حتى يجد المتلقي نفسه داخل عالم يبتعد عن الواقع دون أن ينفصل عنه بالكامل. فالأشكال تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه. والمكان معروف لكنه يحمل أبعاداً حلمية تتجاوز حدوده الجغرافية.
هذه الخصوصية تجعل المقارنة مع سلفادور دالي ممكنة من بعض الجوانب الفنية. فكلا الفنانين يوظف التحول الشكلي والرمزية والانزياحات البصرية التي تنقل المشهد من الواقع إلى منطقة أكثر عمقاً وتعقيداً. غير أن المسافة بين التجربتين تبقى واسعة من حيث المنطلقات الفكرية والمرجعيات الثقافية.
استمد دالي عالمه من الأحلام والهواجس النفسية ومن أسئلة اللاوعي الفردي. وكانت أعماله تعبيراً عن القلق الإنساني في صورته الشخصية والذاتية. أما مؤيد محسن فيستمد عالمه من الذاكرة ومن الحضور التاريخي للمكان العراقي. التحولات التي نراها في أعماله لا تنبع من الحلم الفردي وحده وإنما من تراكم طويل للحكايات والأساطير والخبرات الإنسانية المرتبطة بالأرض.
وعندما ننظر إلى أعمال دالي نجد أن الغرائبية تقود المشاهد نحو عالم من المفارقات الذهنية والأسئلة النفسية. أما عند مؤيد محسن فإن الغرائبية تقودنا نحو التاريخ والهوية والجذور. إنها لا تبتعد عن الإنسان بل تعيده إلى أصله الأول. ولذلك تبدو شخوصه أقرب إلى كائنات خرجت من أعماق الزمن وتحمل معها آثار حضارات متعاقبة ما زالت حاضرة في الوجدان العراقي.
ولهذا تبدو سريالية مؤيد محسن أكثر التصاقاً بالإنسان وأكثر ارتباطاً بالتاريخ. إنها سريالية تنمو من الطين والقصب والماء وتستمد قوتها من الذاكرة الثقافية للمجتمع. وحين تتحول الأجساد إلى تكوينات نباتية أو تتماهى مع عناصر الطبيعة فإن الأمر يرتبط بفكرة عميقة حول وحدة الإنسان ومحيطه.
وتكشف هذه الأعمال أيضاً عن وعي بصري كبير بمفهوم الزمن. فالزمن لا يظهر فيها كعنصر مباشر أو موضوع مستقل وإنما يتجسد في ملامح الشخصيات وفي حركة العناصر وفي الإحساس العام الذي يسيطر على المشهد. هناك شعور دائم بأن الماضي ما زال حاضراً وأن الحاضر يحمل آثار قرون طويلة لم تغادر المكان.
ويكتسب مفهوم الذاكرة هنا أهمية استثنائية. فالذاكرة ليست موضوعاً داخل اللوحة بل هي البنية الخفية التي تقوم عليها التجربة بأكملها. كل شكل وكل لون وكل فراغ يحمل أثراً لذاكرة بعيدة. ولهذا يشعر المشاهد أن الأعمال تتحدث إليه من مكان يعرفه رغم أنه قد لا يكون قد رآه من قبل. إنها تستحضر ذاكرة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
ومن هنا تكتسب التجربة بعداً فلسفياً يتجاوز حدود الجماليات البصرية. فالفنان لا يطرح أسئلة حول الشكل فقط وإنما يثير أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء والذاكرة والعلاقة بين الإنسان وأرضه. وهي أسئلة تمنح العمل التشكيلي طاقة فكرية تجعل المشاهد شريكاً في عملية التأويل لا مجرد متلقٍ للصورة.
لقد استطاع مؤيد محسن أن يطور لغة تشكيلية خاصة تجمع بين المهارة الأكاديمية والحس الشعري والبعد الرمزي. وهي لغة لا تستعير هويتها من مدارس جاهزة بل تنطلق من خصوصية التجربة العراقية بكل ما تحمله من ثراء حضاري وإنساني. لذلك تبدو أعماله قادرة على مخاطبة المتلقي المحلي والعالمي في آن واحد.
إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في قدرتها على تحويل البيئة المحلية إلى خطاب إنساني شامل. فما نراه ليس وصفاً لمكان محدد بل تأملاً عميقاً في مصير الإنسان وعلاقته بالجذور والذاكرة والزمن. ولهذا تظل أعمال مؤيد محسن مفتوحة على قراءات متعددة تتجدد مع كل مشاهدة جديدة.
أمام هذه الأعمال، لا نقف أمام مشاهد صامتة بل أمام نصوص بصرية تنبض بالحياة. نصوص تروي حكاية الأرض حين تتذكر أبناءها وحكاية الإنسان حين يعود إلى جذوره الأولى. وفي زمن تتكاثر فيه التجارب البصرية تبرز تجربة مؤيد محسن كاحد الاسماء التشكيلية المميزة استطاع أن يحول الطين إلى ذاكرة والقصب إلى لغة والصمت إلى جمال. إنها تجربة تؤكد أن الفن الحقيقي لا يكتفي بإمتاع العين بل يمنح الروح فرصة جديدة للتأمل واكتشاف ذاتها داخل مرآة المكان والزمان.









