الإفتتاحية

أنا وكريم العراقي.. وليلة بحجم نصف قرن

سألوا كريم العراقي قبل أيام: كيف تعارفتم أنت وفالح الدراجي؟

فقال: كنا طلاباً في الصف الأول بمتوسطة المصطفى عام 1967، وكنت من المواظبين على استعارة الكتب الأدبية من مكتبة المدرسة، فقد كنت قارئاً نهماً، وجيباً فارغاً.. في ذلك الوقت كان فالح طالباً في ذات الصف، وفي ذات المدرسة، لكنه في شعبة أخرى غير شعبتي..

ومع هذا فقد كنت اعرفه لكونه لاعباً معروفاً في فريق المدرسة.

وهنا اتذكر ذلك اليوم الذي ( دخت ) فيه وأنا أبحث في كتب المكتبة المدرسية عن الجزء الثاني من كتاب لتوفيق الحكيم.. وبعد بحث مضن، علمت بأن الجزء الثاني مستعار من قبل الطالب فالح حسون، وقد مضى على استعارته أكثر من عشرة أيام دون أن يعيده للمكتبة، بينما كان الحد الأعلى للفترة المقررة للإستعارة ثلاثة أو اربعة أيام لا أكثر.. ونظراً لأهمية الجزء الثاني، قررت الذهاب الى بيت فالح حسون الكائن في قطاع 43 خلف مكينة الطحن، وحين طرقت الباب خرج اليّ فالح مرحباً، فقلت له (خويه الجزء الثاني مال كتاب توفيق الحكيم عندك)؟

فقال: نعم !

فقلت له رغم خجلي الذي كنت مشهوراً به:

جا خويه ليش ما ترجعه .. صارله اسبوعين عندك ؟

فضحك معتذراً، ودعاني للدخول، ثم جلب لي الجزء الثاني من كتاب توفيق الحكيم .. ومنذ ذلك اليوم، وتلك المناسبة، ابتدأت حكايتي مع صديقي وأخي أبو حسون ..

انتهت رواية أخي كريم العراقي بهذه السطور البسيطة عن حكاية عمرها نصف قرن.. أما أنا فلن أستطيع أن ألخص حكايتي معه.. إذ كيف يستطيع من كان مثلي أن يلخص رحلة طويلة عمرها نصف قرن .. رحلة مررنا فيها بمنعطفات مفرحة، وأخرى مؤلمة بل ودامية.. مررنا فيها على وجوه عزيزة قريبة من القلب، غاب اضطراراً بعضها، وبعضها اختارطوعاً أن يغيب عنا.

رحلتي مع كريم العراقي تصلح مادة سينمائية دسمة، ومثيرة، ليس لفخامة الأسماء التي فيها فحسب، إنما لفخامة المشترك الذي كنا نلوذ به، ونستعين بحضوره البهي، بل وحتى بغيابه الإجباري.. إنه مشترك الفكر الوطني التقدمي الذي جمعنا ذات يوم تحت خيمة عقيدته التحررية، وامتد ولم يزل يمتد معنا كلما مضينا الى طريق بعيد.. وكل من يقول لك غير ذلك فهو كاذب..

كريم العراقي، يعني متوسطة المصطفى، وثانوية قتيبة، والحاج زاير وحسين قسام النجفي ومدرسة الجبل الأخضر، وكاظم اسماعيل الكاطع وداود سالم ومحمد عبد الكريم وخيون حسون الدراجي، وكوكب حمزة وفؤاد سالم وقحطان العطار، وعبادي العماري، وبار سرجون، ومهرجان شيلي، وأم الظفيرة، وفهد يافهد، وأمي الحاجة أم خيون التي ندين لها أنا وكريم بالكثير من الموضوعات الشعرية.

كريم، يعني نجاحنا الكبير في أكثر من مكان .. وفشلنا الكبير في أكثر من مكان .. حبيباتي اللواتي يعرفهن كريم، وحبيبته التي أعرفها سراً ونبعاً لقصائده .. كريم العراقي يعني عبد الله صخي، وعبد جعفر، وحسن المرواني، وسعدون جابر، وفيروز، (وسوه اربينه) التي بكيت بين حنجرة صوتها الكريم، وبحضور كريم مرة حين هزمني الزمن عشرة صفر. ويعني جمعة الحلفي وحزنه الأسود، وكاظم غيلان .. ومقهى الميثاق، وبهيجة .. وأصدقاء وشهداء وزملاء وخيبات السنين، ووجع الغربة، وفراق ربع قرن .. ويعني صوراً ملونة ومعتمة أيضاً،   ووووووووو الى خميس الأسبوع الماضي، حيث جلسنا في ضيافة العزيز هادي خلف الخطاط .. وبحضور كوكبة من الأحبة .. فكان الكأس والشعر والغناء والدمع والذكريات التي لن تكفيها سطور هذه المقالة .. ألم أقل لكم إنها رحلة العمر !.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان