التقيت قبل فترة بصديق من الأحبة الصابئة، وبعد التحية والسلام، سألته عن أخبار اهله في العراق؟
فقال بألم: يا أخبار خويه أبو حسون، هو شظل منهم بعد.. ؟
ثم أكمل قائلاً:
-وداعتك ما بقه منهم غير القليل جداً..
فشعرت بأسى ووجع حقيقي لهذا القول المفجع.. وتذكرت في الحال أحبتنا وأصدقاءنا المندائيين الذين قضينا معهم أحلى سنوات العمر، تذكرتهم واحداً واحداً.. ورحت أتخيل المشهد، وأفترض -حسب ادعاء صديقي أمس -أن الصابئة جميعاً أقفلوا أبوابهم في العراق، واغتسلوا الاغتسال الأخير في (دجلة الخير)، ومضوا يبحثون في ارض الله الواسعة عن وطن بديل، وطن ليس فيه كاتم الصوت ولا خطف، ولا تفجير، ولا تسليب، ولا تفرقة وتمييز طائفي وديني -لا اعرف من يضمن للصابئيين سلامتهم في العراق، إذا كان إخوتهم المسلمون يُقتلون في كل مكان ؟
نعم سأفترض هجرتهم الكاملة عن العراق، لكن -وأنا في سكرة التخيل -سألت نفسي، وقلت: ماذا لو أصبح عدد الصابئيين في العراق صفراً، وراح العرسان العراقيون من المسلمين وغير المسلمين، يبحثون في أسواق العراق عن (الخَشِل)، فلا يجدون فيه ذكراً لإبداعات الصاغة الكبار (زهرون بن ملا خضر وحسين زهرون، وعنيس الفياض، وناصر ومنصور حاتم، وعبد سكوت، وبدن خضر، وكريم النشمي، وياسر صكَر، وزامل وضامن حويزاوي وسعد رهيف وحامد عبد الرزاق رويد واخوته)، أو لا يجدون شيئاً من ابداعات نصير شميل واخوته الصاغة المبدعين، وكيف سيكون حال الذهب لو هجره (اسطوات) الذهب في العراق؟
وكيف سيكون حال القصيدة الشعرية النسوية في العراق لو لم تكن مطرزة بشاعرية الأميرة الصابئية لميعة عباس عمارة ؟
وكيف ستأتي القصيدة الشعبية بدون (نوابها) الشاعر المندائي همام عبد الغني؟!
وهل سيخرج المبدع قاسم حول بعربة (الحارس) دون أن يكون معه في الصدارة الفنان الصابئي مكي البدري، وهل ستكتمل الصورة الزاهية للفن العراقي يا ترى، بدون اشراقات الفنانين المندائيين أمثال الفنان (أزهر جبار الخميسي والراحل أسمر زهرون والراحل غالب ناهي، والراحل قيس حاضر، والفنانة سوسن سلمان سيف، والفنانة اشراق عريبي)، وبين هذه الأسماء يلمع اسم الفنان حكمت السبتي، كواحد من الأصوات الوطنية الشامخة، وهل ثمة معنى للتشكيلة الفنية الباهرة في المنافي، ومثال على ذلك (منفى) مدينة ديترويت الأمريكية، لو لم يجمَّلها اللون المندائي، ويعطرها أريج الإبداع الصابئي الذي يفوح دائماً من إبداع الشاعر الدكتور قحطان المندوي، وفنون وإبداع الاخوة الثلاثة نشأت، وطلعت وسمير؟!
من سيؤرخ للنضال الوطني التحرري بصدق وحيادية وإخلاص، بعد رحيل المؤرخ والمناضل التاريخي الصابئي عزيز سباهي، وبمن سيتباهى علماؤنا، وتفتخر أجيال الجامعيين (البغداديين)، لو لم تكن هناك قامة علمية وجامعية دولية باسقة بحجم العمايرچي الصابئي الكبير عبد الجبار عبد الله وغيره من عشرات العقول المندائية؟!
لقد سألت نفسي كثيراً، وقلت: كيف سيغني فتيان الشبيبة الديمقراطية جيلاً يعد جيل، أغنية الشهادة الخالدة، التي مطلعها (ستار شدة ورد) لو لم يكن ثمة صابئيون أحرار، خرج من بين صفوفهم فارس أسطوري اسمه ستار خضير، والى أين سنمضي بهذا السجل الخالد والباهر من الشهداء المندائيين، لو لم يكن هناك مندائيون في الخليقة العراقية، أحقاً أن هذه القائمة الطويلة من الشهداء الأبطال، هم من أبناء الصابئة فقط، واذا كان هذا صحيحاً، فكيف يقولون إن المندائيين (فقره كلش)، ومسالمون (كلش)؟!
تعالوا معي لمقبرة شهداء الصابئة الوطنيين الشجعان، ولنبدأ من الشهيد الفذ صبيح سباهي، أو دعونا نبدأ من صالح هليج شفيف، أو من عبد الجبارعسلاوي الزهيري – باعتباره أول شهيد صابئي في الحركة الوطنية العراقية -أو لنبدأ من الشهيد المؤلف الدكتور عبد الرزاق مسلم الماجد – أستاذ الفلسفة في جامعة البصرة – ومعه الشهيد هيثم الحيدر، والشهيد سمير جبار حامي، والشهيد نافع الحيدر، أو نبدأ من الشهيدة البطلة اكرام عواد سعدون ومعها الشهداء سميع جاني، والشهيد شنور عودة ، والشهيد شاكر نعمة هليل، أو نبدأ رحلة الشهادة المندائية من اسم الشهيد البطل حميد شلتاغ، والشهيدة عميدة عذبي حالوب، فهما أشهر من نار على علم في سجل الشهداء الوطنيين الخالدين ..
ماذا لو انتهى المندائيون فعلاً في عمليات القتل ، والتهجير الدولي القسري، واختفوا تماماً من الوجود العراقي ؟! كيف سيتقبل العراقيون اختفاء، وزوال نوع فريد وراق من انواع مجتمعهم المنوَّع، خاصة وأن هذا النوع قليل أصلاً، قياساً الى الأصناف والأنواع البشرية العراقية الأخرى، فأية كارثة ستلحق بالفسيفساء العراقية التي نتفاخر، ونتباهى بها أمام المجتمعات الأحادية، لو ينتهي في العراق لا سمح الله وجود الصابئة، والمسيحيين، والأيزيديين، والشبك، وغيرهم من الألوان العراقية الزاهية؟!.

