قبل أيام، مات كاظم عبود، فاستراح بموته الطغاة، وهنأ أذنابهم، وكل وكلائهم.
فالطغاة وأذنابهم ووكلاؤهم وعملاؤهم يتساوون بمشاعر الهلع والخوف لوجود فرسان مازالوا أحياء يرزقون، فرسان من نوع كاظم عبود وسلام عادل وعبد الكريم قاسم وحسن السريع وعايدة ياسين وبشار رشيد وغيرهم.
فالطغاة، سواء من يرقد في لحده، أو من لم يزل حياً ينتظر القصاص، يرتعبون من ذكر أسماء الأبطال الإستثنائيين أمامهم، إذ لا يؤرقهم، ولا يقض مضاجعهم غير هؤلاء الفرسان.
لذلك اطمأن الطغاة حين تلقوا خبر رحيل هذا الأسد الهمام ..
وصدقاً بأني لا أبالغ قط حين أشبه كاظم عبود بالأسد الهمام ..
إذ كيف يكون الأسد إن لم يكن بمثل مواصفات، وصلابة، وعناد، وقوة، وجسارة كاظم عبود؟
دلوني على فرد – طبيعي – غيره، يمكن ان يتحمل بمفرده مواجهة نظام شرس وفاشٍ ومجرم مثل
نظام البعث الصدامي؟
دلوني على شخص، يعدم النظام ثلاثة من إخوته، وهم في ريعان الشباب، دون أن ينكسر غصنه، أو حتى ينحني!
وحين يجد النظام الفاشي ان اعدام اشقائه لم يفت في عضده، أقدم على إعدام ولده البريء (جواد)، والذي لم يكمل عامه الرابع عشر، وهي لعمري سابقة لم تحدث في تاريخ المحاكم العراقية من قبل.
ورغم اعدام ولده، وفلذة كبده، ظل كاظم عبود حاملاً رشاشه الوطني في جبال كردستان جنباً الى جنب مع رفاقه الشيوعيين، وزملائه وأخوته في السلاح من الكرد والإسلاميين، دون أن يرف له جفن أو يضعف له موقف وطني، مواصلاً بذلك التصدي لعصابة البعث الفاشية.
وحين تحولت المواجهة مع النظام، من ميدان السلاح الى ميادين اخرى غير مسلحة، كان كاظم عبود الأنشط في الساحات النضالية، سياسياً ورياضياً وكتابياً، حيث كان لكاظم اسم وصوت ومشاركة، وألق وحضور في كل مكان يمكن ان يتواجه فيه مع نظام صدام الدموي.
وحتى في أشد أيام مرضه، وأسوأ حالاته الصحية والنفسية، كان (ابو وصال) حاضراً بشخصه، وابداعه، ووعيه، وثقافته، وبتاريخه الحافل والمزدحم بالأمجاد الرياضية، والنضالية، والكفاحية الثرة، فتراه يكتب هنا، ويناقش مدافعاً هناك، تراه يتصل معاضداً رأياً يعرض، أو يشاكس احياناً بل مرات ومرات، لكن خلاصة جوهره في كل ذلك تبقى مثل قبس متوهج في سماء النضال الوطني العراقي، دون ان يجرؤ أحد على مواجهته، أو النيل من مقدسات قضيته الطبقية والوطنية العادلة.
أو يحاول كسر عناده، الذي فشلت اجهزة البغي الجبارة في كسره من قبل .
لقد عرفت كاظم عبود منذ صيف عام 1968 وأنا فتى صغير يلعب الكرة حافياً في ساحة اتحاد فيوري بمدينة الثورة (مستشفى الإمام علي حالياً)، مع صديق الصبا، صبري هاشم وموسى ابو العيس، بينما كان كاظم عبود وقتها لاعباً محترفاً في فريق البريد، الذي كان واحداً من أبرز أندية الكرة البغدادية..
لم يكن كاظم يأتي لهذا الملعب الترابي إلا بين فترة واخرى ليتدرب وحده، وفي تلك (العصرية) التموزية كان كاظم موجوداً، يتدرب لوحده على (شوت) الكرة نحو المرمى من مسافات بعيدة، فكانت كراته تذهب للهدف دون ان تخطأه مرة واحدة، ما أثار أعجابي واعجاب صديقي صبري وموسى، فوقفنا ننظر لهذا اللاعب المدهش، وحين انتبه لنا، صاح علينا، لنشاركه اللعب بالكرة بأقدامنا الحافية، فكان يستغل خروج الكرة بعيداً ليوجه لنا الأسئلة بحس وروح الأخ الكبير والمناضل الوطني والإنساني القدير، تارة عن اسمائنا ومستوياتنا الدراسية، وتارة عن الفرق الكروية التي نشجعها، وتارة يسألنا عن اوضاعنا العائلية والمعيشية، فكان ذلك اللقاء في ذلك اليوم مفتاحاً لصداقة ورفقة طويلة ستدوم نصف قرن دون خدوش، بعد أن تأكدت وتصلبت هذه المسيرة الأخوية عبر تماريننا الكروية المشتركة بملعب نادي
المواصلات والنقل بعد ان انتميت لنادي السكك الذي يشكل مع نادي البريد العمود الفقري لنادي المواصلات، والذي تحول اسمه بعد ذلك الى نادي الزوراء الشهير ..
كما تعضدت صحبتي معه في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين عملنا سويا في اتحاد الشبيبة الديمقراطية، ومن ثم في الحزب الشيوعي العراقي، ولم ينقطع خيط صحبتنا ومحبتنا الذهبي، حتى بعد ان فرقتنا السنين وابعدتنا مسافات الغربة عن بعضنا، إذ ظلت قلوبنا تلتقي كل يوم، بل كل لحظة في بساتين الوفاء والحب الأخوي والرفاقي، فكنت مثلاً أجيء الى بغداد احياناً من أجل أن التقيه، بمجرد ان يعلمني بمجيئه الى العراق، كما يفعل هو نفس الشيء حين تسمح له صحته بالسفر ، فيأتي الى بغداد من اجل ان نلتقي فيها معاً.
لقد كنت – وأقولها بفخر – واحداً من المقربين جداً الى قلب أبي وصال، وكان يقول ذلك دون حرج، كما كان يشاركني مساحة هذا الحب عدد قليل من الأحبة، يأتي في مقدمتهم نجم التلفزيون الرياضي، الصديق حسام حسن والصديق الكاتب حسن الخفاجي، والشاعر الصديق كريم العراقي والشاعر الراحل كاظم اسماعيل الكاطع، والمناضل والوزير الشيوعي حيدر فيلي، والفنان الكبير كوكب حمزة والصحفي منعم جابر .
نعم، لقد مات الأسد كاظم عبود، فاستراح بذلك المجرمون، لكن من سيضمن لهم هذه الطمأنينة، وفي العراق رفاق وزملاء واصدقاء لكاظم عبود، لا يقلون صلابة وشراسة عن رفيقهم واخيهم أبي وصال؟.

