أمس، وبعد انقطاع دام خمس سنوات، وطأت قدماي أرضية الطابق الثالث من مبنى وزارة النفط، حيث مكتب معالي الوزير جبار علي اللعيبي، ومكاتب وكلائه، ومساعديه ..
اتخذت لي مقعداً في صالة الضيوف الأنيقة، لدقيقتين لا أكثر، حتى جاء من يصطحبني بود ولطف فائقين الى مقابلة معاليه..
في باب مكتبه، كان الوزير المهندس جبار اللعيبي ينتظرني بشحمه وعظمه، وحين مددت له يدي، وصافحني بتلك الحرارة، وبذلك الود، شعرت كأننا أصحاب منذ سنوات بعيدة.. ولا أكشف سراً حين أقول إن الرجل نجح في كسبي اليه منذ أن لامست كفي كفه، ومنذ أن تمتم بكلمات الترحيب رغم قلة الكلمات التي نطقها، فالرجل كما يبدو ليس من جماعات المجاملة المفرطة، ولا من مؤيدي المبالغة في التعبير والترحاب، فهو رجل عملي جداً كما يتضح، ولعل من أهم من مزايا الرجال العاملين هي قلة الكلام، وكثرة الإنصات، مع وفرة العمل والإنجاز.. وهذا ما اكتشفته حالاً في هذا الشخص الجالس أمامي بكل تواضع وأدب البصريين المُحرج للمقابل. فتواضع المسؤول وإنصاته لما يتحدث به الآخر بات أمراً مفقوداً لدى أغلب المسؤولين العراقيين اليوم، ولدى المسؤولين في العهود الحكومية السابقة، بل واللاحقة بعد حين. فكلهم يعتبرون أنفسهم عباقرة، واساتذة في إختصاصهم، وفي غير إختصاصهم ايضاً، ونادراً إن لم أقل مستحيلاً أن تسمع اليوم وزيراً يقول لك بكل تواضع واحترام :
(ماهو تقييمكم أستاذ لأداء وزارة النفط الان .. وما هي السبل التي تراها مناسبة للإرتقاء بعملنا لخدمة العراق والعراقيين)!
نعم، فهذا ما قاله لي اللعيبي في مستهل لقائنا أمس ..
وللحق، فإن الرجل نجح بصدق ابتسامته، ونبل مشاعره، وجلوسه القريب مني – حتى كادت ركبتاي تلامسان ركبتيه من شدة قربنا من بعضنا – أقول، نجح في إزالة ارهاصات اللقاء الأول التي تنتج عادة عند اللقاء بمسؤول كبير، بحجم مسؤولية وزير النفط في العراق، فسقطت من أصابعي كل ارتجافات القلق، وكل علامات الإرتباك !
قد يعتقد البعض أن الأمر بسيط، ولايستحق كل هذه المقدمة الطويلة .. وأنا أقول :
لا أبداً، إنه برأيي أصعب ما يواجهه شخص مثلي، حين يلتقي مسؤولاً كبيراً، لذلك أقول بصراحة، إن الوزير اللعيبي أسقط عني مسافات القلق والإرباك، ووضعني بنعومة ابتسامته وحرارة استقباله في واحة اللقاء العادي بشكل مباشر، وكأنني أقابل شخصاً بسيطاً أراه كل يوم، وليس وزيراً أجالسه لأول مرة في حياتي، فيحادثني وأحادثه بشكل طبيعي وعفوي دون عقد، ومن غير بهرجة، وفخفخة، ودون أن تشعر بثقل المنصب، وجلجلة أفراد الحماية والمرافقين المنتشرين حولك، وبلا أمراض التلفونات، وإحراجات نفاد الوقت المخصص لمقابلتك، الذي يشعرك به المساعدون عند مقابلة أي مسؤول، حتى لو كان بحجم مسؤول شعبة الخريط في وزارة الزراعة !
لقد كنت أتحدث طوال وقت المقابلة الذي امتد لأكثر من اربعين دقيقة، وكان الوزير ينصت لي بشكل مدهش، وللحق فقد كنت أحدق في هذا الرجل الجالس أمامي بين فترة وأخرى، وأسترق النظر الى جسده الضئيل، والى عوده الناعم باستغراب فاضح.. وأسأل نفسي بسذاجة لا تنكر: أيعقل أن يكون صاحب هذا الجسد الضئيل خلف كل هذه الإنجازات الكبيرة المتحققة في وزارة النفط.. وهل يعقل أن هذا الشخص الودود الناعم الجالس أمامي قد تغلب في إنتخابات البرلمان العراقي لعام 2018 على وحوش السياسة والمال ومرشحي العصابات الكاسرة في البصرة، ومن يصدق أن هذا الرجل الطيب البسيط الذي بالكاد تسمع صوته قد واجه بشراسة مافيات النفط في العراق والمنطقة دون أن يتنازل عن دينار واحد من حقوق العراقيين؟
وقبل أن أواصل دهشتي، واستغرابي، وأسئلتي المتسلسلة، تذكرت جواباً شاعرياً ساطعاً، كان قد أدلى به الشاعر البصري الكبير كاظم الحجاج – المتشابه مع اللعيبي عمراً وجسداً ومدينة وبيئة وروحاً – حين سأله أحدهم : لم أنت نحيل، وجسد ضئيل؟
فقال له الحجاج: خير الرجال ما قلَّ ودل !
لقد صدق الحجاج في توصيفه الشاعري هذا، فمن كان بروعته وروعة وزيرنا اللعيبي لا يحتاج الى جسد فخم، ورأس كبيرة، وعضلات هرقلية، بل لا يحتاج حتى الى السؤال، والجواب حول ذلك.. فالرجال كما يقول أهلنا، صناديق مغلقة، لا تُفتح إلاَّ باليقين العظيم، ولا تُقرأ إلاَّ بالإنجاز الكبير ..
وكما قالها الحجاج الكبير:
خير الرجال ما قلَّ ودل ..

