الحقيقة خاص
الفساد المالي والإداري في العراق متفشٍ بشكل كبير جداً، وهو لم يعد مجرد حالات فردية أو انحرافات محدودة، بل أصبح ظاهرة اجتماعية وسياسية مؤسفة، أثقلت كاهل الدولة وأضعفت ثقة المواطن بمؤسساتها.
الفساد الذي بدأ مطلع التسعينيات مع فرض الحصار الاقتصادي على العراق، حيث ضرب أطنابه في مؤسسات الدولة، وأهمها الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة آنذاك، حتى غدا سلوكاً معتاداً في دوائر ومؤسسات الدولة بشكل عام، ولم ينتهِ هذا المسار حتى عام سقوط نظام صدام حسين، بل ترك إرثاً ثقيلاً امتد إلى المراحل اللاحقة.
بعد ذلك، اتسعت الظاهرة وكبرت ونمت وتعششت بشكل أكبر، بل وتجذرت مع دخول موارد مالية هائلة إلى خزينة الدولة واتساع عمليات التجارة والاستثمار، حتى أصبح البلد يحتل مراكز متقدمة بين الدول الأكثر فساداً في العالم.
نعم، لقد ساعد ذلك على نمو الفساد في الطبقات العليا لمؤسسات الدولة ونزوله إلى المستويات الدنيا، مع ضعف الرقابة والمحاسبة وتهرؤ التشريعات والقوانين المكافحة له، فضلاً عن المجاملات السياسية التي أصبحت باباً واسعاً من أبواب الفساد.
ومن غير جدال، فأن الفساد ينخر مؤسسات الدولة بقوة ويدمر مواردها البشرية والمادية، ويقوض أي جهود حقيقية للإصلاح والتنمية. لكن في المقابل، لم تكن الدولة واقفة موقف المتفرج إزاء هذه الظاهرة الخطيرة، بل كان من أوائل المعالجات تأسيس هيئة النزاهة الاتحادية، التي تعمل منذ انطلاقها على كشف الفساد وملاحقة المتورطين به أينما وجدوا دون هوادة.
وقد حققت الهيئة إنجازات كبيرة في الفترات الماضية، ولولا وجودها وأنشطتها الرادعة في السنوات الماضية، لرأينا الفساد يتحول إلى غول يلتهم المجتمع والدولة معاً. لكن النزاهة تواصل الردع بشكل مستمر، وتتصدى اليوم لضعاف النفوس والفاسدين بكل قوة، حتى أصبح اسمها مصدر قلق حقيقي لكل من تسول له نفسه العبث بالمال العام.
لكن المشكلة الآن – ويجب أن نعترف بذلك- أن الهيئة تعاني من ضعف واضح في الصلاحيات، وفي الشبكة القانونية الناظمة لعملها، وهي بحاجة إلى حماية قانونية حقيقية لنشاطها الرقابي، وتعاون قضائي فعّال يدعم إجراءاتها ويمنحها القدرة على الحسم بشكل سريع.
كما تحتاج النزاهة إلى تسريع الإجراءات البيروقراطية، لكي يكون ردها وعملها سريعاً وحازماً، وإجراءاتها كاشفة للفساد في الوقت المناسب، لأننا بصراحة نعاني من الفساد ولا نستحي من قول ذلك، بل يجب مواجهته بوضوح وجرأة وشجاعة.
لكن، ورغم هذه التحديات، لدينا اليوم هيئة نزاهة بإدارة جيدة جداً، وعلى رأسها الدكتور محمد علي اللامي، الذي يقود مع كوادره الفاعلة مرحلة تشهد تقدماً ملحوظاً في مكافحة الفساد، سواء من خلال الإجراءات الوقائية أو المعالجات الفعلية التي تحدّ من الظاهرة. وقد توسع نشاط الهيئة بشكل كبير جداً في مختلف مفاصل الدولة، وهو ما تؤكده الأرقام التي تنشر عن عمليات الكشف والضبط والإنجازات المتحققة.
وهذا لا يمنع من الإشارة إلى أن الإدارات السابقة للهيئة حققت منجزات مهمة أيضاً، لكن الإدارة الحالية التي يرأسها اللامي تميزت بنهج مختلف، اتسم بالهدوء والاحترافية، بعيداً عن الصخب والضجيج، مع تركيز واضح على العمل المؤسسي المنظم الفعال.
إن النزاهة اليوم بحاجة إلى دعم تشريعي وقضائي واسع فعلاً، لتكون ضربتها القادمة أقوى وأكثر وأشد صرامة، وقادرة على إحداث تحول حقيقي في مواجهة الفساد.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب توسيع الأذرع التنفيذية للهيئة، ومنحها صلاحيات رقابية أوسع وسلطات قانونية وقضائية تمكّنها من متابعة عملها بفاعلية أكبر، إلى جانب توفير بيئة داعمة لنشاطها، ووضع برامج حكومية واستراتيجية شاملة لتطوير أنظمة الإدارة والعقود والإنفاق المالي.
وفي الختام، لا بد من توجيه كلمة شكر وتقدير لجهود هيئة النزاهة، وقيادتها ممثلة بالدكتور محمد علي اللامي، وكل جنودها المجهولين الذين خاضوا ويخوضون معركة لا تقل ضراوة عن معارك تحرير العراق من أعدائه، في سبيل بناء دولة قائمة على النزاهة والعدالة وسيادة القانون.





