د كاظم جمعة الغزي
حين تتقاطع الذاكرة مع الحكاية، ويغدو السرد مرآةً لروح المكان والإنسان، يولد أدبٌ لا يشيخ، بل يزداد توهجاً مع مرور الزمن. في هذا الأفق الرحب من الإبداع، يبرز اسم الأديب والقاص حنون مجيد بوصفه أحد الأصوات التي صاغت ملامح السرد العراقي الحديث، وكتبت تفاصيله بصدق التجربة وعمق الإحساس. فمنذ بداياته الأولى، ظل وفياً للكلمة، منحازاً للحياة في أبسط تجلياتها، ليقدّم عبر مسيرته الطويلة عالماً سردياً نابضاً، تتداخل فيه الذاكرة مع الواقع، وتتجلى فيه حكايات الإنسان العراقي بكل ما تحمله من ألم وأمل.
في المشهد الثقافي العراقي، يبرز اسم الأديب والقاص حنون مجيد بوصفه واحداً من الأصوات السردية التي واصلت الكتابة بإصرار عبر عقود طويلة، محتفظاً بنبرة خاصة تمزج بين بساطة الريف وعمق التجربة الإنسانية. فمنذ ولادته عام 1939 في قرية الملفود بناحية المشرح، تشكّلت ملامح عالمه الأول، حيث الطبيعة والبشر والحكايات اليومية، لتتحول لاحقاً إلى مادة خصبة لإبداعه الأدبي.
هاجر إلى بغداد عام 1948، وهناك واصل تعليمه الابتدائي في مدرسة المهدية، ثم دراسته المتوسطة في النظامية، قبل أن يلتحق بدار المعلمين الابتدائية في الأعظمية والعمارة. وقد مارس العمل السياسي في مرحلة مبكرة من حياته، الأمر الذي عرّضه للاعتقال والسجن، في تجربة تركت أثرها الواضح في وعيه الإنساني والأدبي.
بدأ مسيرته المهنية معلماً، فدرّس في إحدى قرى ناحية الميمونة، ثم في قرى ناحية المشرح، قبل أن ينتقل إلى مدارس أخرى وصولاً إلى بغداد. وهناك واصل دراسته الأكاديمية في الجامعة المستنصرية، حيث نال شهادة البكالوريوس في التربية وعلم النفس، وهو ما انعكس على عمق نظرته التربوية والإنسانية في نصوصه.
امتد مشروعه الإبداعي على مساحات واسعة من الأجناس الأدبية، فكان القاص الذي كتب القصة القصيرة والمجموعات السردية، والروائي الذي خاض تجربة الرواية، إلى جانب اليوميات وأدب الأطفال والمسرح. غير أنّه اتجه اتجاهاً واضحاً ومكثفاً نحو فن القصة القصيرة جداً، لما وجده فيها من انسجام عميق مع حساسيته الفنية، ولما تتيحه من قدرة على التكثيف والاختزال والتعبير السريع عن نبض الحياة، بما يواكب إيقاع العصر، دون أن يعني ذلك انقطاعه عن بقية الأجناس الأدبية. وقد تجاوز إنتاجه في هذا المجال أكثر من ألف ومئتي نص.
في مجال المجموعات القصصية، قدّم أعمالاً مبكرة مثل تعاقب الفصول (1986) والبحيرة (1988)، قبل أن يواصل رحلته عبر الطائر (1999) ولوحة فنان (2001)، وصولاً إلى أعمال أكثر نضجاً مثل لحظة شبّاك (2013) ومسدس صغير (2020). أما عمله تاريخ العائلة فقد حظي باهتمام خاص بإصداره في أكثر من طبعة، في بغداد وعمان.
وفي الرواية، قدّم عوالم سردية متنوعة، بدءاً من المنعطف، مروراً بـمملكة البيت السعيد، ثم المدونة الرقمية، وصولاً إلى أعماله الحديثة مثل موت الأم ومكابدات مريم. كما يعمل على مشروع روائي قادم بعنوان إلى الجبل، والذي يشكّل جزءاً من ثلاثية سردية إلى جانب مملكة البيت السعيد ومكابدات مريم، في محاولة لبناء عالم روائي مترابط يعكس رؤيته الفكرية والإنسانية.
كما دوّن تجربته في اليوميات عبر يوميات كوفيد 19، ثم سيرته الذاتية حجر صغير (2025)، التي تمثل خلاصة رحلة طويلة من التجربة والتأمل.
ولم يكن بعيداً عن أدب الأطفال، حيث كتب أعمالاً مثل مغامرة في ليل الغابة وديكو يتزوج جيجي وسرّ الحلاوة والقرد الطيب والعجوز وعناقيد، مؤكداً حضوره في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
أما في المسرح، فقد قدّم نصه الملك في عزلته، الذي يعكس اهتمامه بالبُعد الرمزي والدرامي.
تميّزت تجربة حنون مجيد أيضاً بانتشارها خارج العراق، إذ تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، ونُشرت نصوصه في مجلات وصحف عربية مرموقة. كما تحدّث عن تجربته الأدبية وقرأ نماذج من نصوصه في محافل ثقافية في بغداد والقاهرة وعمّان، ما يعكس حضوراً عربياً فاعلاً.
إن المتأمل في مسيرته يدرك أنه أمام مشروع أدبي متكامل، يستند إلى تجربة حياتية غنية، ويعتمد على تحويل التفاصيل اليومية إلى نصوص ذات دلالة إنسانية عميقة.
ختاماً، يبقى حنون مجيد واحداً من الأسماء التي رسّخت حضورها في ذاكرة السرد العراقي، من خلال تجربة لا تنطفئ، تواصل إشعاعها عبر الأجيال، وتؤكد أن الأدب الحقيقي هو ذلك القادر على البقاء والتجدد في آنٍ واحد.









