رأي الحقيقة

الإطار التنسيقي…جدليـــة لا تنتهـــي

رأي الحقيقة

يبدو أن الإطار التنسيقي بات أسير دائرةٍ مفرغة من الجدل والنقاشات الطويلة التي لا تفضي في كثيرٍ من الأحيان إلى نتائج طبيعية أو حلول عملية، حتى أصبح – وللأسف – معتاداً على العيش داخل الأزمات بدلا من أن يكون مظلةً سياسية قادرة على احتوائها ومعالجتها.
ومنذ انطلاق العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، ظل هذا الإطار- بمختلف مسمياته- يُقدم بوصفه مشروعاً لتوحيد القوى الشيعية وتنسيق مواقفها، إلا أن الواقع يكشف عن صورةٍ أكثر تعقيدًا، بل وأشد إرباكا.
اليوم، يواجه الإطار التنسيقي جملة من التحديات الواضحة، بعضها داخلي يتمثل في الانقسامات البينية والصراعات الحزبية الضيقة، وبعضها خارجي يرتبط بتداخلات إقليمية ودولية تضغط على مسار القرار السياسي.
هذه الانقسامات لم تعد مجرد اختلافات في وجهات النظر، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى حالة من التعطيل المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى فرض رؤيته، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار السياسي العام.
ورغم الاجتماعات المتكررة، سواء اليومية أو الأسبوعية، إلا أن المشهد لا يزال يراوح مكانه.
فكما يقول المثل العربي: “نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً”، في إشارة إلى كثرة الكلام وقلة الإنجاز.
هذه الحالة تثير تساؤلات جدية حول قدرة الإطار على التحول من ساحة نقاش إلى مؤسسة قرار، ومن كيان متفاعل مع الأزمات إلى كيان قادر على إدارتها وحسمها.
إنَّ أحد أبرز الملفات التي تكشف حجم هذا التردد هو ملف رئاسة الوزراء، الذي تحول في فترات سابقة إلى ما يشبه “بالونات اختبار” تُطرح فيها أسماء وتُسحب أخرى دون حسمٍ واضح، في وقتٍ يمر فيه العراق بظروف حساسة ومعقدة.
فالتحديات الداخلية تتزامن مع تحولات إقليمية كبيرة، على وقع التوترات الأمريكية – الإيرانية – الإسرائيلية، وما تفرزه من تداعيات قد تنعكس بشكل مباشر على الداخل العراقي.
في ظل هذه المعطيات، لم يعد مقبولًا استمرار هذا النهج القائم على إطالة أمد الخلافات أو ترحيل الأزمات. فالإطار التنسيقي، بوصفه الكتلة السياسية الأكبر تأثيراً، مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى باتخاذ قرارات حاسمة، وفي مقدمتها حسم ملف رئاسة الوزراء، بعيداً عن المناورات السياسية التي تستنزف الوقت وتربك المشهد.
ومن بين الطروحات المطروحة، يبرز اسم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بوصفه أحد الخيارات التي تحظى بقبولٍ ملحوظ، نظراً لما يمتلكه من خبرة سياسية وإدارية، فضلاً عن تجربته التي يُنظر إليها من قبل مؤيديه على أنها حققت قدراً من الاستقرار والإنجاز.
إن إعادة تكليفه، وفق هذا الرأي، قد تمثل خياراً عمليا في هذه المرحلة، خاصة في ظل الحاجة إلى الاستمرارية وتجنب الدخول في دوامة تجريبية جديدة مجهولة المعالم.
غير أن المسألة لا تتوقف عند الأسماء بقدر ما تتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل الإطار نفسه.
فالمطلوب اليوم هو إعادة النظر في طبيعة هذا الكيان، ليكون أكثر انسجاماً ووضوحاً في رؤيته، وأقل خضوعاً للحسابات الفئوية الضيقة.
فالعراق لا يحتمل المزيد من التأجيل، ولا المزيد من الصراعات التي تُدار خلف الأبواب المغلقة، في وقتٍ تتزايد فيه التحديات وتتسارع فيه المتغيرات.
ويقترب الخطر من بلادنا يوماً بعد يوم..
إن الإطار التنسيقي أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحول إلى قوة سياسية فاعلة قادرة على الحسم واتخاذ القرار، أو يبقى أسير جدلية لا تنتهي، تستهلك الوقت وتُضعف ثقة الشارع به حاضراً ومستقبلاً.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يبقى الأمل معقوداً على تغليب لغة العقل، ووضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، قبل أن يتمخض هذا الجبل عن نتائج لا ترقى إلى حجم التحديات.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان