د. عصام عسيري
برحيل الفنان البريطاني David Hockney عن عمر ناهز 88 عاماً، يفقد الفن العالمي واحداً من أبرز رموزه المعاصرة وأكثرهم تأثيراً خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فقد كان هوكني من أولئك الفنانين النادرين الذين لم يكتفوا بصناعة أسلوب بصري مميز، بل أعادوا صياغة العلاقة بين الإنسان والصورة واللون والمنظور، وظلوا قادرين على التجدد والإبداع حتى سنواتهم الأخيرة.
لم يكن هوكني مجرد رسام ناجح، بل ظاهرة ثقافية عالمية امتدت لأكثر من ستة عقود، جمع خلالها بين روح التجريب الجريئة وحساسية الفنان الشاعر، وبين تقاليد الرسم الكلاسيكي وأحدث التقنيات الرقمية، ليصبح أحد أكثر الفنانين حضوراً في المتاحف والأسواق الفنية والذاكرة البصرية المعاصرة.
من برادفورد إلى العالمية:
ولد ديفيد هوكني عام 1937 في مدينة برادفورد الإنجليزية، ودرس الفن في كلية برادفورد للفنون قبل أن يلتحق بالكلية الملكية للفنون في لندن، حيث بدأت موهبته الاستثنائية بالظهور مبكراً. وفي ستينيات القرن الماضي برز اسمه ضمن الجيل البريطاني المرتبط بحركة البوب آرت، لكنه سرعان ما تجاوز حدود الحركة ليؤسس مشروعه الفني الخاص الذي يصعب اختزاله في مدرسة واحدة.
كان انتقاله إلى مدينة لوس أنجلوس نقطة تحول حاسمة في حياته الفنية. هناك اكتشف الضوء الساطع والألوان المشبعة وصفاء السماء ومشهد المسابح الذي أصبح لاحقاً العلامة الأشهر في أعماله. وتحولت لوحاته التي تصور المياه والانعكاسات والعمارة الحديثة إلى أيقونات بصرية للفن المعاصر.
شاعر اللون والضوء:
اشتهر هوكني بقدرته الفريدة على تحويل المشاهد اليومية إلى احتفالات بصرية مفعمة بالحياة. ففي أعماله لا تبدو الألوان مجرد عناصر تشكيلية، بل لغة قائمة بذاتها. الأزرق لديه أكثر من لون؛ إنه فضاء نفسي، والأخضر ليس وصفاً للطبيعة فقط، بل تعبير عن الحيوية والتجدد.
ومن أشهر أعماله لوحة A Bigger Splash التي أصبحت إحدى أشهر الصور الفنية في القرن العشرين، وكذلك لوحة Portrait of an Artist (Pool with Two Figures) التي تعد من أهم أعماله وأكثرها شهرة.
لكن اختزال هوكني في لوحات المسابح وحدها ظلم لتجربته الثرية؛ فقد أنجز بورتريهات إنسانية رفيعة المستوى، وصمم ديكورات الأوبرا، وابتكر أعمالاً فوتوغرافية تركيبية، كما أنجز مناظر طبيعية ضخمة استلهمها من ريف يوركشاير الإنجليزي ومناظر نورماندي الفرنسية.
فنان لم يتوقف عن التجريب:
ما يميز هوكني عن كثير من أبناء جيله أنه لم يخش التكنولوجيا يوماً. فعندما دخلت الكاميرا الرقمية إلى المشهد الفني تعامل معها بوصفها أداة إبداعية لا تهديداً للفن. وعندما ظهرت الأجهزة اللوحية كان من أوائل الفنانين العالميين الذين استخدموا الآيباد للرسم والإنتاج الفني.
وقد أثبت أن جوهر الفن لا يكمن في الأداة بل في الرؤية. لذلك ظل إنتاجه الرقمي امتداداً طبيعياً لمشروعه التشكيلي وليس خروجاً عليه. وفي سنواته الأخيرة أنجز أعمالاً رقمية واسعة النطاق تناولت تغير الفصول والطبيعة في منطقة نورماندي الفرنسية، مؤكداً أن الإبداع الحقيقي قادر على مواكبة كل عصر.
مكانته الثقافية:
يصنف هوكني اليوم ضمن أهم الفنانين البريطانيين في التاريخ الحديث، إلى جانب أسماء مثل J. M. W. Turner وFrancis Bacon وLucian Freud.
وقد امتدت أهميته إلى ما هو أبعد من الإنجاز التشكيلي. فقد كان صوتاً مؤثراً في النقاشات المتعلقة بالرؤية البصرية والمنظور والتصوير الفوتوغرافي وتاريخ الفن. كما اشتهر بدراساته وأفكاره حول استخدام الفنانين القدماء للأدوات البصرية في عصر النهضة، وهو ما أثار نقاشات أكاديمية واسعة في الأوساط الفنية.
وكان حضوره الثقافي طاغياً لدرجة أنه تحول إلى رمز بصري معروف بنظارته الدائرية وشعره الأشقر وشخصيته المرحة والمنفتحة، ليصبح أحد أكثر الفنانين شهرة لدى الجمهور العام، وليس فقط لدى المختصين.
إرث سيبقى:
برحيل ديفيد هوكني لا يفقد العالم مجرد رسام بارع، بل يفقد أحد آخر عمالقة الحداثة الذين عاشوا التحولات الكبرى للفن المعاصر وشاركوا في صنعها. لقد علّم الأجيال أن الفن يمكن أن يكون عميقاً وممتعاً في الوقت نفسه، وأن اللون قادر على بث الفرح دون أن يفقد قيمته الفكرية.
سيبقى هوكني حاضراً في ذاكرة الفن العالمي من خلال مسابحه الزرقاء الشهيرة، ومناظره الطبيعية المضيئة، وتجربته الإنسانية التي احتفت بالحياة والجمال والحرية. وسيظل اسمه شاهداً على أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الفنان العظيم يرحل بجسده، لكنه يواصل الحياة في أعماله وأثره الثقافي عبر الأجيال.
وداعاً ديفيد هوكني… أيها الرسام الذي جعل العالم أكثر إشراقاً. تجدر الإشارة إلى أن وفاة ديفيد هوكني أُعلنت في 12 يونيو 2026 بعد مسيرة فنية تجاوزت ستة عقود من الإبداع والتأثير العالمي.









