ثقافية

النحات العراقي باسم التكريتي.. البحث عن الروح الكامنة في المادة

رحيم يوسف / بغداد

لو افترضنا صحة التقسيمات الجيلية، والتي ليست قياسا للعملية الإبداعية مطلقا، وهو موضوع آخر سيكون مدار بحث مع مجموعة من الفنانين، أقول: لو افترضنا ذلك، فإنه ضمن الجيل الثاني ما بعد الرواد في النحت العراقي المعاصر، وتتلمذ على أيدي بعضهم، بالإضافة إلى الجيل الذي عاصر الرواد. إضافة إلى شغفه بالفن مبكرا، وهاتان الميزتان ساهمتا في خلق شخصيته الفنية، ولعل التأثير الدراسي كان هو الأهم في تكوين تلك الشخصية، لأن الأساتذة كانوا أصحاب اطلاع واسع على سيل التجارب الفنية النحتية بمختلف صنوفها وحقبها التاريخية، لأنهم تخرجوا من مختلف جامعات العالم الفنية، وخصوصا في روما. كما أن الأعداد القليلة للمنتظمين في الدراسة كانت صاحبة تأثير آخر ومهم هي الأخرى. ففي الدورة التي تخرج فيها لم يكن معه سوى اثنين، هما النحات المبدع هادي عباس، والنحات محمد جهاد، الذي غادر بعد التخرج إلى كركوك، وانقطعت أخباره، كما يقول في لقاء مصور. وقد ساهم استمراره في العمل على تجربته النحتية في خلق شخصيته الفنية التي تنامت وفرضت اسمه في الدوائر الفنية كنحات يشار إليه.

باسم محمد صالح التكريتي من مواليد تكريت عام 1945، وهو نحات عراقي حاصل على بكالوريوس النحت من كلية الفنون الجميلة في بغداد. شغل العديد من المناصب الفنية والثقافية، منها رئاسة قسم النحت والمعادن في معهد الفنون والصناعات الشعبية، ومعاونا للمدير، ثم مديرا لمديرية التراث الشعبي في وزارة الثقافة والإعلام. أقام خمسة معارض شخصية للنحت بين عامي 1970 و1986 في بغداد، وشارك في معظم المعارض الفنية العراقية، إضافة إلى مشاركات عربية ودولية في الكويت وسوريا والأردن والإمارات والجزائر وألمانيا وهولندا وروسيا. كما صمم العديد من الشعارات، وأسهم في ملتقيات فنية وثقافية عربية وعالمية في بلغاريا والبحرين وعمان ولبنان والأردن وقطر وروسيا، مما جعله من الأسماء المؤثرة في حركة النحت العراقي المعاصر.

تتجلى قدرة الفنان في الأعمال النحتية، ابتداء، في إمكانياته على فهم العلاقة بين الكتلة والفراغ، تلك العلاقة التي يعد فهمها من الأولويات التي تساعد، أو تساهم بمعنى أدق، في تمكين الفنان من تقديم أعمال فنية قادرة على تحفيز قيم الجمال لدى المتلقي، على اعتبار أن ذلك يعد من أهم مساعي الفنان، وهي القيم التي لا يمكن تحفيزها دون وجود منجز حقيقي يستفزها ويمثل نوعا من الدعوة إليها. وبحسب الإسباني إدواردو شيلدا الذي يقول:

“أنا لا أنحت الكتلة، بل أنحت الفراغ.”

والقول هنا مجازي يمتلك قصدية سنبينها في هذا السياق. ومع أنه يزيح الكتلة لصالح الفراغ، وأقول يزيحها ولا يتخلى عنها أو يلغيها، لأن التخلي عنها يعني أن العملية منسوخة أساسا، لأننا لا نستطيع التعامل مع الفراغ وحده، فهو جزء من طرفي المنجز النحتي، ويشكل مع الكتلة كلا لا يتجزأ، لأن:

“الفراغ والشكل يعتمدان أحدهما على الآخر، ولا يمكن فهم أحدهما دون الآخر.”

بحسب النحات البريطاني هنري مور.

ورأي مور يعزز رأي شيلدا، وبالتالي فإن طرفي العلاقة متلازمان ضمنيا وعمليا، دون فكاك أو تخلي أحدهما عن الآخر. من هنا يمكننا النظر إلى تجربة النحات العراقي الأستاذ باسم التكريتي، الذي عمل ويعمل منذ سنوات طويلة على مشروعه الفني الجمالي، مركزا بشكل كبير على طرفي العلاقة المشار إليها في أعماله التي يبثها للتلقي، سواء في معارضه الشخصية أو في المعارض المشتركة أو الجماعية التي تقيمها المؤسسات والجمعيات والروابط الثقافية في العراق أو في مختلف دول العالم، والتي ساهم فيها بفعالية كبيرة، كما أشرنا من قبل.

تنتمي تجربة التكريتي النحتية إلى المسار التجريدي العضوي، وإن جسدت بعض أعماله بتعبيرية هي أقرب إلى التجريد، وهو لا يسعى إلى تمثيل الواقع بصورة وصفية، بل يعمل على اختزال الشكل الإنساني والطبيعي إلى وحدات بنائية نقية تستند إلى التوافق بين الكتلة والفراغ بروح يغلب عليها الإيقاع. كما يتضح أن الفنان يجد في الخشب والحجر مادتين أساسيتين مناسبتين للتعبير عن رؤيته القائمة على الحوار بين الصلابة والحيوية، وبين الكتلة الثابتة والفضاء المخترق. كما أنه يتناول الجسد الإنساني كفكرة، ولذلك لا يسعى إلى تمثيله، ولذلك لا يظهر كجسد تشريحي واضح، بل كوجود شكلي ذي دلالات واضحة تمتلك رمزيات يمكن القبض عليها، كالجسد الطولي، والرأس الكروي، والانحناءات المتقصدة التي توحي أو تشير إلى الإنسان دون أن تصفه، محولا الجسد إلى بنية هندسية ذات طابع روحي، وكأن الفنان يسعى إلى التعبير عن جوهر الإنسان لا ملامحه.

وهو، وإن تعددت الوسائط التعبيرية التي يعمل عليها، فإنه يبحث عن الروح الكامنة في ذلك الوسيط من أجل خلق نوع من الحركية الداخلية التي تظهر على الأعمال التي ينتجها، سواء أكان الوسيط خشبا أم حجرا أم معدنا، فالأمر سيان بالنسبة إليه. ولذلك ينبغي الانتباه إلى أعماله جيدا، لأن تلك الروح تظهر بشكل واضح عبر انسيابية الأجزاء الظاهرية للأعمال، لأنها تشير إلى كوامن حركية لا تمنح نفسها إلا عبر الانتباه الجيد أثناء التلقي، وتلك تمثل واحدة من المهارات التي تشكل نوعا من الاختلاف مع مثيلاتها من التجارب النحتية، التي لا تأتي إلا من خلال المواظبة على العمل والتجريب المستمر، وصولا إلى لحظة الإبداع الحقيقية التي تتمثل بذلك.

وحول علاقة الكتلة بالفراغ، نجد أن الفراغ يشكل جزءا أساسيا من بنية معظم أعماله، سواء من خلال الفجوات القصدية الموجودة في الكتل التي تتشكل منها الأعمال، أو فيما يحيط بها من فراغ، على اعتبار أن الفراغ مليء بملايين الجزيئات التي يتكون منها، والتي نشعر بها وإن لم نستطع رؤيتها بالعين المجردة. وهو بهذا، وأعني استغلال الفراغ المحيط بالكتل، يحاول أن يثير إحساس المتلقي، ليدفعه إلى التخيل من أجل الإمساك بما يحفز لديه القيم الجمالية الكامنة في الكتلة، والتي تتوافق كليا مع إحساسه لحظة التلقي، وتلك من السمات البارزة في هذه التجربة، وهو اعتمادها على الفراغ بوصفه مادة نحتية موازية للمادة الصلبة.

فالفراغات المثقوبة ليست مجرد فتحات تقنية، بل أجزاء من التكوين نفسه، كما أشرنا. ولنتأمل العمل المكون من دائرة تطوف في فراغ واسع، حاول أن يبدد إحساسنا بها من خلال الكرة التي مثلت نقطة ثقل فيها، بالإضافة إلى وجود القاعدة، غير أن هاتين المفردتين لم تبددا إحساسنا بالدوران، وأصبحتا علامة تنبيه باتجاه الفراغ الذي أصبح معادلا موضوعيا للكتلة وإضافة جمالية لها.

أما في العمل الثاني، فتتشكل الكتلة عبر شبكة من الانحناءات العضوية التي تحيط بفراغين واسعين، فيما يتمركز شكل كروي في المنتصف تحيط به قضبان معدنية دقيقة. هذه العلاقة تخلق توترا بصريا بين المركز والمحيط، وبين الاحتواء والانفجار، وكأن الفنان يجسد طاقة كامنة أو نواة حياة تتولد منها الحركة، لتتشكل الحركة المتولدة من الاصطدام الافتراضي بين الكتلة والفراغ، وأقول افتراضي لأن تركيبة الأعمال توحي بذلك.

إن اهتمام الفنان الواضح بجمالية المادة الطبيعية، وخصوصا الخشب، أدى به إلى عدم إخفاء الميزات الطبيعية فيه، كالعروق الموجودة فيه أو الملمس، فتمكن من جعلها جزءا من التعبير، حيث تواشجت مع دفء اللون البني وحركة الألياف الخشبية، ليمنحا المنحوتات إحساسا بالحياة والنمو العضوي، وكأن الأشكال خرجت من المادة نفسها ولم تفرض عليها من الخارج.

أما عمله على الحجر، فإنه يميل إلى النقاء والبساطة، كما في العمل الأبيض، ويؤكد نزعته التأملية التي تميز التجربة، حيث يصبح اللون المحايد وسيلة لتركيز الانتباه على العلاقات الشكلية وحدها. كما أن أعمال الفنان تستدعي إرث النحت التجريدي الحديث، ولا سيما الاتجاه العضوي الذي ارتبط بالبحث عن التناغم بين الإنسان والطبيعة، وتقترب في بعض جوانبها من تجارب النحاتين الذين منحوا الفراغ قيمة مساوية للكتلة، وجعلوا الاختزال وسيلة للوصول إلى المعنى الإنساني العميق.

أخيرا، فإن أعماله هي أقرب إلى تأملات بصرية في الإنسان وعلاقته بالآخر وبالكون، أكثر من كونها تمثيلات واقعية للأشكال. إنها تجربة تبحث عن الجوهر الكامن خلف المظهر، وتستبدل السرد المباشر بلغة رمزية مكثفة تقوم على التوازن بين الكتلة والفراغ والحركة الداخلية للشكل.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان