(غرور معرفي)
اياد خضير
غصّت القاعة الثقافية الكبرى بحضور جماهيري غفير، وصفق الجميع بحرارة للمحاضر (همام)، وهو يشيد بصوت جهوري بضرورة قبول الآخر وإشاعة حرية التعبير، مؤكداً أن الحوار الراقي هو الجسر الوحيد بين المختلفين. وحين فتح باب النقاش، صفق الجميع بحماس، وبدا أن الجمهور متمسك بقيم التسامح.
في نهاية المحاضرة، فُتح باب النقاش. وكان أول المتحدثين شخص يدعى (شاكر)، ويكنى (د. شاكر). كان إنساناً بسيطاً، لم يكن شجاعاً، ولم يتحلَّ بالشجاعة يوماً. عاش عمره يتجنب المواجهات ويهاب إبداء رأيه، حتى قرر ذات يوم أن يلتهم عشرات الكتب والمجلدات التي تتحدث عن الشجاعة وصفاتها. وبعد أن أنهى قراءة مئة مجلد ضخم أو أكثر، ظل يحضر المحاضرات والاحتفاليات التي تقام في المدينة، وأصبح حضوره يتحدث عن نفسه دائماً، ولا يترك مجالاً للمحتفى به للحديث.
لكن القراءة النظرية، من دون وعي حقيقي، ملأت قلبه بالغرور والنرجسية، فتحول من باحث عن الثقافة إلى شخص يرفض أي نقاش، ويظن أنه امتلك الحقيقة المطلقة. وكان كثيراً ما يتحدث عن نفسه وعن لقاءاته بشخصيات مختلفة، حتى اتهم بالنرجسية.
ذات يوم دخل قاعة تحتضن ندوة ثقافية تتمحور حول ضرورة الحوار بين المختلفين، واحترام الآخر، وإشاعة حرية الرأي. وفي نهاية المحاضرة، فُتح باب النقاش، وكان (شاكر) أول المتحدثين، إذ كان يدعي دائماً أن لديه عملاً مستعجلاً ليكون أول من يتحدث.
وما إن بدأ الحديث حتى تكلم بجدية، رافضاً الصمت، ومعتبراً نفسه شخصية مثقفة. ولأن الكبرياء والنرجسية يمنعان صاحبهما من تقبل الرأي الآخر، انتقد المحاضر (همام) بحدة، مستعرضاً معلوماته بفوقية، ورافضاً أدنى تعقيب من المنصة.
هنا سقط قناع الشعارات عن المحاضر (همام)، فضاق ذرعاً بالانتقاد، وفقد هدوءه، وأمر بطرد (شاكر) من القاعة أمام ذهول الجميع. رفض (شاكر) الخروج، واستغل اللغط الذي عم القاعة، رافعاً يده آمراً الجمهور بالتصفيق لشجاعته المزعومة، لكنه لم يفلح، واتهم الجمهور بأنه أضعف من أن يفهم عمق شجاعته، مستمراً في وهمه ونرجسيته التي أعمتْه عن رؤية الحقيقة.
وبعد أن أدرك الجميع أن المحاضر يفتقر كذلك إلى ثقافة الحوار التي يدعيها، أثار (شاكر) عدة مسائل أخلاقية، مما زاد من غيض المحاضر (همام)، فأمره بإنهاء حديثه، لكن (شاكر) أصر على مواصلة الكلام، واستمر في الجدال، معلناً أنه سيقاضيه لأنه اتهمه بأشياء لم يقلها ولم يذكرها.
فجأة تلاشت كل شعارات المحاضر (همام)، واحمر وجهه، وتغيرت نبرة صوته الهادئة، حتى أمره بقطع الحديث والنزول من المنصة، قائلاً له:
«اخرج، لا أريد سماع رأيك، أنت لا تحترم الأدب».
رفض (شاكر) الانصياع، وتمسك بحقه في الرد، محتجاً بأن المحاضر (همام) اتهمه بسوء الأخلاق، وأنه سوف يقاضيه. وتحول المشهد من ندوة فكرية إلى ساحة جدال عقيم، وكاد الأمر يتطور إلى شجار، لولا تدخل الجمهور لتهدئة النفوس.
لحظة الحقيقة كانت لحظة المواجهة؛ فبمجرد أن حانت لحظة التطبيق، تلاشت كل المعلومات النظرية أمام الخوف الفطري. وهذا يثبت أن الشجاعة خصلة تكتسب بالمواقف والتدريب، ولا يملأ العقل بها كلام الآخرين. كما أن تكلم (شاكر) بجدية، ورفضه السكوت، كانا محاولة لتعويض النقص وشعوراً زائفاً بالأهمية، ولا سيما عندما طلب من الجمهور أن يصفق له، وهو في قمة غروره، فكشف بذلك حقيقته.
قال المحاضر (همام) مخاطباً (شاكر):
«كلامك هذا نظري، وحمل عقيم تنوء به. هل جئت من آخر البلاد لتلقي علينا خطبة لا تفهم في الواقع شيئاً؟ ألا يوجد في جعبتك غير هذا الكلام المنمق؟».
تفاعل الجمهور، وضحك كثيرون، وظهرت الهمهمات.
قال المحاضر (همام):
«الهدوء والثقة بالنفس».
فأجابه (شاكر):
«قلة الصبر ليست عيباً، لكنها قد تحرمك من الاستمتاع بجمال الرحلة. وبما أنك ألقيت المحاضرة، فسأوضح لك الجانب العملي فقط، فتفضل بالاستمتاع».
أجاب المحاضر (همام):
«رحلة ماذا؟ أنت تضيع وقتنا، وتسير في سراب، وهذا ما تفعله».
وزادت الفوضى بين الجمهور.
وقال المحاضر (همام):
«أرجوكم، الحوار غذاء العقول، ولا يتأذى العقل باختلاف الرأي». ثم خاطب (شاكر) قائلاً:
«إنك تسخر مني، والسخرية سهلة، لكن البناء صعب. فإذا كان لديك نقد بناء لا هدام، فأنا كلي آذان صاغية، وإلا فانزل من المنصة».
فأجابه (شاكر):
«أنت مغرور جداً، وتظن نفسك الوحيد الذي يفهم».
فقال المحاضر:
«أشكرك على كلامك الجارح. وأود أن أبلغك أن المعرفة تزيد المرء تواضعاً، والجهل يزيده غروراً، وسوف أقاضيك على الكلام الذي وجهته ضدي».
عندها وضع المحاضر (همام) حداً للنقاش قائلاً:
«أنا لا أقبل أن أتحدث مع أحد بهذه الطريقة».
وعند نزول (شاكر) من المنصة، طلب من الجمهور مرة ثانية أن يصفق له، لكن النتيجة جاءت عكسية؛ فبدلاً من دوي التصفيق، ضجت القاعة بضحكات ساخرة من المشهد الهزلي. فأسرع في الخروج من القاعة، رافعاً رأسه بكبرياء زائف، يجر أذيال الخيبة، ويتمتم بكلمات مبهمة غير مفهومة، وسط استهزاء بعض الحاضرين به.
فالغرور المعرفي عند (شاكر)، والشعارات المزيفة عند المحاضر (همام)، وجهان لعملة واحدة، هي غياب الوعي الحقيقي بأدب الحوار.









