فالح حسون الدراجي
قبل واحد وخمسين عاماً وفي مثل هذا اليوم تحديداً، إنقلب المجرمون الفاشيون على جمهورية العراق الديمقراطية الفتية، فقتلوا بشكل غادر زعيمها، ومحررها من قيود الاستعمار وأحلافه وأذنابه وقواعده ومرتكزاته.. وأقصد الشهيد البطل عبدالكريم قاسم، ومعه أستشهد أيضاً رجال هم أشرف ما أنتج تاريخ الجيش العراقي الباسل عبر مسيرته الظافرة..
وإذا كان إنقلاب (شباط الأسود) قد نجح بفعل عوامل خارجية وداخلية، كان بعضها خارجاً عن يد الثورة وقادتها، وبعضها جاء (من يد) قادة الثورة أنفسهم، بسبب نوايا الزعيم الطيبة، وسياسته السمحاء التي شيدها على ثقة مفرطة بالذات، وعلى أساسات وردية حالمة، مفادها أن الاخرين جميعاً طيبون مثله، ظاناً أن كل أعدائه، وخصومه يحملون مواصفاته النبيلة، فيسامحون مثله، ويعملون كما يعمل هو، لاسيما في سياسته التي شعارهاً: عفا الله عما سلف!! أقول إذا كان الانقلابيون البعثيون قد نجحوا في إنقلابهم ـ العار ـ فإن نجاحهم هذا كان لعنة وسُبَة، بل وعار عليهم.. فكان لطخة سوداء في سجلهم المخزي، بحيث ظلت عالقة بهم، وبعقيدتهم، ومستقبلهم الجمعي.
إن (إنتصار) البعثيين في شباط 1963 كان هزيمة ماحقة وساحقة لهم، ولمشروعهم العقائدي الفاشي.. ولعمري فإن هذا الأمر يحدث لأول مرة، إذ لم يحدث من قبل أن هُزم (النصر) في أولى ساعاته.. بل وقبل ان يتحقق بأيام..
نعم، لقد هزم البعثيون من لحظة تفكيرهم بالإنقلاب على ثورة شعبية وطنية قدمت المنجزات العظيمة واحداً تلو الأخر دون توقف، رغم المؤامرات الداخلية والخارجية. وهزم البعثيون أيضاً منذ أن تحرك (القطار الامريكي) بعرباته الإستخبارية ناقلاً لهم عُدَة التآمر ومخططات الدم والقتل والتدمير.. لاسيما العربة التي حملت قوائم الشيوعيين والوطنيين والضباط الاحرار الذين يتوجب على الانقلابيين تصفيتهم قبل أي شيء. وبالفعل فقد نفذ الانقلابيون إرشادات أسيادهم بدقة ومهارة فائقة، فابتدأوا انقلابهم التآمري بإغتيال الشهيد الطيار جلال الأوقاتي قائد القوة الجوية آنذاك، ولم ينتهوا من القائمة حتى أكملوا إغتيال جميع الاسماء المعروضة للقتل في تلك القائمة البائسة!!
اليوم وبعد واحد وخمسين عاماً على ذلك اليوم الاسود، ينطلق السؤال الذي لابد منه: ماذا بقي من (متآمري) شباط في الذاكرة.. ومن ظل من ضحاياهم مضيئاً ساطعاً في عقول وقلوب العراقيين.؟
ولأن التأريخ منصفٌ.. والناس البسطاء عادلون جداً، فقد منحوا لكل عنصر من عناصر ذلك الزمن حقه، فأغدقوا على البطل الشريف بحبهم وتقديرهم.. في حين أنهم أشعلوا في المجرم القاتل نيران الكراهية، ومواقد الاحتقار دون رحمة.. وتأسيساً على ذلك بقيت (صور) الشهيد عبد الكريم قاسم خالدة في قلوب ومخابىء الناس العزيزة، إذ أخفاها بعضهم في مناطق لا يخفى فيه الا الغالٍي النفيس..حتى أن الكثير من الناس (رأى) صورة الزعيم في القمر.. أو بين النجوم نجمة مشعة متلألئة.. ويوم سقط البعثيون في التاسع من نيسان 2003 ( أي في سقوطهم الثاني بعد سقوطهم الاول في 18 تشرين 1963) ركضت الجماهير الشعبية نحو الشوارع وهم يرفعون صور الزعيم الخالد، وكأنهم يبايعونه على عرش قلوبهم، فيستعيدون بذلك حقاً إغتصبه القتلة في شباط الأسود..
ولم يكن الزعيم قاسم وحده عزيزاً على قلوب الناس الطيبين، إنما كان معه رفاقه وصحبه الميامين الذين استشهدوا في ذلك الإنقلاب دفاعاً عن مكتسبات ثورة الرابع عشر من تموز 1958 المجيدة..
إذن هكذا ينظر العراقيون لعبد الكريم قاسم. وهكذا أفرد له التاريخ صفحات المجد والذكر الجميل، وهكذا سيظل مضيئاً في الذاكرة. وساطعاً في القلوب والافئدة حتى زوال الكون.. بينما سقط مجرمو شباط من البعثيين والعملاء وأذناب الرجعية في بئر العار والخزي والذكر السيء، ولم يعد أحدٌ يتذكرهم إلاَ حين يتذكرون موسوليني وهتلر وغيرهما من مجرمي الحروب في التاريخ البشري.
فتحية للشهيد البطل عبدالكريم قاسم وهو يستقبل الرصاص بعينين مفتوحتين بعد ان رفض وضع العصابة السوداء على عينيه لحظة تنفيذ الإعدام به..
وتحية للشهداء الأبطال فاضل عباس المهداوي، ووصفي طاهر، وعبدالكريم الجدة، وماجد محمد أمين، وتحية كبيرة للشهيد البطل سلام عادل أسطورة الشهادة العراقية الجسورة..
والخزي والعار لمجرمي إنقلاب شباط الاسود…

