الإفتتاحية

رسالة الى الشهيد الحلو أبو ظفر ..

فالح حسون الدراجي

  أولاً؛ اسمح لي أن أسلم عليك في شباط الشهادة والدم، وأقدم لك وردة حمراء تليق بعرس دمك الطاهر.. صحيح انني لم أتشرف بمعرفتك من قبل، وربما لم نلتق ايضاً، لكنني مؤمن بالحكمة القائلة: رب أخ لك لم تلده أمك!! فرحتُ -من شدَّة إعجابي بها- أنسج حكمة على منوالها تقول؛

ربَّ صديق لك لم تره من قبل!!

هذا إذا افترضنا بأننا لم نتعارف، ولم نلتق من قبل قط. ولكن..! من يقول ذلك؟ بخاصة وقد كنا نعيش في زمن متقارب، وفي دائرة فكرية واحدة، ناهيك عن ان أغلب أصحابنا مشتركون، حيث يعرف بعضهم بعضا، فمن يضمن أننا لم  نسهر في بيت أحد هؤلاء الأصدقاء؟ أو ربما نحضر معاً في عرس واحد من أحبتنا الأعزاء! ومن يقنعني بأننا لم نشترك سوية في أحد احتفالات الحزب الشيوعي في ذلك الزمن المضيء رغم قسوة الظلام؟ 

ومن يجزم – يا أبا ظفر- بأني لم أرك، أوتراني في أحد مقرات الحزب، أو في بناية (طريق الشعب) بشارع السعدون، او ربما اشتركنا معاً بسفرة طلابية او شبيبية أو عمالية من تلك السفرات التي لم يزل طعمها الحلو على أطراف اللسان، رغم كل مرارات الفجيعة المتواصلة عاماً بعد عام؟!

  يراودني الاعتقاد مرات ومرات، بأننا التقينا من قبل كثيراً، وإذا كان -ومن سوء حظي- اسم الدكتور(محمد بشيشي الظوالم) لم يمر عليَّ من قبل، لأنك ربما كنت تستخدم اسمك الحزبي بدلاً عنه، حتى ضاع علينا الاسم الأصلي، فمن المؤكد أن اسمي الأصلي قد مرَّ عليك اكثر من مرة، ويقيناً أني لا أقصد تعظيماً لنفسي، أو تفخيماً لإسمي، فأجعله شهيراً، بقدر ما أردت أن أقول، بأننا -نحن الشعراء والفنانين- كنا، وكما قال الشهيد أبو سرحان (مشتهرين شهيرة الله واكبر)!! بحيث لم تنفع، ولم تمشِ (أسماؤنا الحزبية)، بل ولم يكن أحد يهتم بها أو يخاطبنا بها، حتى أذكر أن مسؤولي الحزبي قدمني يوماً لضيف كبير قادم من اللجنة المركزية، بإسمي الحزبي قائلاً: أقدم لك الرفيق عبد الأمير -وقد كان هذا اسمي الحزبي آنذاك- فابتسم ذلك الرفيق الكبير وقال لي: اهلاً بالرفيق عبد الأمير حسون الدراجي!!

إذن سأسميك صديقي وسأفخر بذلك، حتى وأن كانت هذه الصداقة من طرف واحد، فمن لا يفخر بصداقة (نصير باسل) وبطل مثلك، لم يكتف بحمل (السماعة وأدوات الطب) فحسب، بل حمل معها السلاح ايضاً، ليصل سمو الشهادة والخلود..

 لا أخفي عليك، فحين أرسلت (بلقيسك، وأم ظفرك) صورتك لي، قفزت كالملدوغ حين رأيتها وصحت من دون شعور: هذا الرجل أعرفه والعباس.. لقد رأيته كثيراً من قبل، ولكن أين رأيته لا أذكر؟

 ثم سرعان ما توقفت، حين تذكرت بأني لم أرك شخصياً، لكنني رأيت صورتك في صور آلاف الشهداء، فالشهداء متشابهون ياصاحبي.. 

عزيزي أبا ظفر: في شهر شباط شهر الشهادة والشهداء، أحييك وأحيي معك عشرات الآلاف من شهداء الحزب الشيوعي، والحركة الوطنية العراقية مبتدئاً بالشهيد الخالد فهد، ورفيقيه الأسدين بسيم والشبيبي، لتمر بعدها تحيتي عبقةً، وعطرة على قوافل الشهادة، وعلى ذلك الدم الذي لم ينقطع، لاسيما يوم النكسة الذي جرى فيه دم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم والمهداوي ووصفي طاهر والأوقاتي في الثامن من شباط الأسود. . ولم يزل يجري حتى هذه الساعة..

  قد يستغرب البعض، حين يراني أكتب رسالة لك، وأنت الشهيد الذي مضى على غيابه اكثر من ثلاثين عاماً من دون أن تعود الى بيتك وبلقيسك ورفاقك و (سماوتك)، وربما اُتَّهم بالجنون لو عَرفَوا، كم أنا واثق من أنك ستقرأ يوماً رسالتي هذه! وكم أنا متيقن أنك سترد على هذه الرسالة! 

ولك أن تقدر يا أبا ظفر حجم الدهشة والاستغراب، حين يعرف الآخرون بأن الشهيد الذي أكتب له هذه الرسالة، ليس مثل كل الشهداء، بخاصة وإنه فقد في ظرف قتالي غامض ومبهم، لم تتحدد ملامحه بعد، ولم تتأكد نتائجه المادية، والنهائية حتى هذه اللحظة!! فلا جثمان له، ولا قبر يضم جسده، ولا شارع يحمل اسمه، فمن يا ترى سيستلم هذه الرسالة، وعلى أي عنوان ستذهب، وكيف ستمضي؟!

  صدقاً يا أبا ظفر ما كنا عرفنا عنك كل هذه الجمال الباذخ، ولا أكتشفنا فيك كل هذه الينابيع الفراتية العذبة، لولا بساتين الوفاء والحب والمودة الجميلة التي زرعها في طريقنا اليك، رفاق دربك ومحبو نقائك وأبناء طينتك الفريدة، مثل الأنصار داود أمين (ابو نهران)، وحاكم كريم عطية، وابراهيم معروف، وزيدان خلف، فضلاً عما قاله عنك المناضل جاسم الحلوائي  وغيره من المناضلين، ناهيك عن تلك الاستذكارات الحميمية التي أدمنت عليها عقيلتك النجيبة، والوفية بلقيس الربيعي وهي تناجيك في نهاية كل أيلول، حتى ضربت بمحبتك رقماً قياسياً، فتقدمت بحبها وصبرها، وأملها على الكثير من العشاق الصابرين، والمحبين المتأملين، والمنتظرين أيضاً، وثق بي يا أبا ظفر، لو قلت لك بأن جمال ونبل وحزن بلقيس، يأخذنا عنوة في نهاية كل ايلول -حيث هو موعد غيابك- لنمضي معها طائعين، فنغني لعينيك، مع باهرة الغناء الملائكي فيروز، حين تشدو لحبيبها الذي يذكِّرها به سقوط الأوراق الخريفية في شهر ايلول، فتقول: ورَؤه (أي ورقه) الأصفر شهر ايلول تحت الشبابيك… ذكَّرني فيك!!

ولكن: من ينساك، لكي يذكره بك ورق ايلول المبعثر تحت الشبابيك؟!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان