الإفتتاحية

في يوم الشهيد الشيوعي: دعوني أفخر بشقيقي خيون

فالح حسون الدراجي

   لم يكن الشهيد البطل خيون حسون الدراجي شقيقي وأخي فحسب،  فقد كان أيضاً صديقي ورفيقي وصاحبي الأقرب من بين كل البشر. وربما تأتي هذه الفرادة، والعلاقة المميزة بيننا بسبب مجيئنا الى الدنيا بفترة متقاربة، إن لم تكن واحدة، فهو يكبرني بسنة، أو ربما أقل من سنة، إضافة الى إننا ولدنا في بيت واحد، ومدينة واحدة، ورضعنا من ثدي واحد، لم ينافسه (حليب القواطي) أو حليب المربيات الأجيرات. ولأننا أبناء رغيف واحد، كان والدي الحاج (أبو خيون) رحمه الله يحرص على توفيره بشرف، فقد كانت تربيتنا شريفة وطيبة مثل ذلك الرغيف.

 لم يكن في ناحية كميت (مسقط رأسينا) في محافظة ميسان سوى مدرسة إبتدائية واحدة، وشط ماء واحد، وبيت كبير واحد، يضم أكثر من ثلاثة آلاف شخص (وشخصة) يتنفسون هواء حب عفيف واحد، ويعيشون معاناة واحدة. لكن حياتنا كانت دافئة ونقية وطيبة وبسيطة، رغم كل مآسي العوز والفقر والحرمان. وللحق فقد كان أخي خيون أكثر الفتيان إحساساً بالظلم، وأكثرهم  تعاطفاً مع أبناء هذه المدينة المحرومة من كل شيء رغم صغر سنه.. وحين إنتقلنا الى بغداد، وأقمنا في منطقة الصرائف خلف السدة الشرقية بالصليخ، كان والدي- الذي لم يكن يجيد أية مهنة آنذاك – قد شعر بالندم والأسف لمغادرته المدينة التي ولد فيها هو وآباؤه وأجداده، فراح يلوم نفسه لإنتقاله الى بغداد (الغريبة)، وأهلها الغرباء عليه!!

    لكن أخي خيون خفف من وجعه وأساه، بعد أن أقنعه على الموافقة بمساعدته في تدبير أمور المعيشة الصعبة في بغداد، من خلال العمل نهاراً، والدوام في المدرسة ليلاً.. وفعلاً فقد أشتغل أخي عاملاً في معمل الفافون وهو في سن الخامسة عشر.. وفي ذات الوقت واظب على الدراسة في المساء بنجاح.. فتشكل في ذلك المعمل الصغير وعيه  الطبقي الأول، وتحسس هناك معاناة العمال، وقسوة التمايز الطبقي.. فكان أول نشاط سياسي له عام 1962 من خلال المشاركة في تظاهرة (السلم في كردستان)، التي نال عليها أول عقوبة في حياته، بعد أن سُجِن ليلة واحدة في مركز شرطة راغبة خاتون!!

   وحين جاء إنقلاب شباط الأسود، كانت حصة مدينتنا (كميت) أكثر من شهيد وسجين ومفصول ومنفي، ويأتي في مقدمتهم القائد الشيوعي التربوي عبد علوان الطائي، والشهيد الرياضي عبد الكريم كاظم أحد أبطال ملحمة 3 تموز التي قادها الشهيد البطل حسن السريع، وغيرهما.. وللأمانة فقد كانت محاكمة الشهيد عبد الكريم كاظم، والشهيد حسن السريع ورفاقهما، والتي بثت مع محاكمات الثوار الأخرى من إذاعة بغداد، ودفاعهم البطولي عن الثورة وعن المبادئ الشيوعية التي آمنوا بها، قد ألهبت مشاعر أخي خيون، وأشعلت في صدره جذوة الإنتماء الى عقيدة هؤلاء الأبطال.. لذلك فإنه لم يتردد لحظة واحدة بالموافقة على الإنضمام الى صفوف الحزب الشيوعي بمجرد أن عُرضت عليه فكرة الإنتماء لحزب الفقراء الكادحين.

كبر أخي خيون، وكبرت معه أفكاره الوطنية التقدمية حتى صارت بستاناً واسعاً ترك ظلاله على كل القريبين منه.. ومن الطبيعي أن تنعكس أفكاره عليَّ شخصياً، فتشرفت بالإنتماء للحزب الشيوعي العراقي تقديراً وإعتزازاً به وبأفكاره وبتأريخه النضالي، وكذلك بسبب إشعاعات الضوء الباهرة التي غمرني بها أخي (أبو سلام). 

   اليوم.. وبعد مرور ثلاثة وأربعين سنة على إنتمائي للحزب الشيوعي العراقي، ذلك الإنتماء الذي بات شرفاً وفخراً لي ولأولادي، وبعد مرور أربعة وثلاثين عاماً على إختطاف شقيقي خيون من قبل رجال أمن المجرم صدام، وإعدامه بتهمة الإنتماء للحزب الشيوعي حسب شهادة الوفاة التي زودتنا بها مديرية الأمن العامة، بعد إختطافه من مطعم أكد، وإعدامه بعشر سنوات، فإني أقف بفخر عالٍ، ومباهاة حقيقية، ليس للعلاقة الأخوية التي تربطني بأخي أبي سلام فحسب، إنما أيضاً للهوية الفكرية التي جمعتنا أنا وإياه في عقيدة واحدة ..

فتحية لجميع الشهداء العراقيين في يوم الشهيد الشيوعي، وباقة ورد حمراء أضعها على قبر كل شهيد منهم، وعذراً لأخي خيون، ولكل الشهداء الذين استكثر عليهم القتلة البعثيون قبوراً خاصة بكل منهم، فدفنوهم في مقابر جماعية، أو في أخرى مجهولة. نعم أعتذر لهم جميعاً، وسأضع باقات وردهم في باب مقر الحزب الشيوعي، حيث يقف هناك بكل سمو وكبرياء تمثال شهيد الشهداء الرفيق سلام عادل. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان