فالح حسون الدراجي
أمس.. حضر الى مقر الجريدة شاعر شعبي شاب، قادما من مدينة الفلوجة لزيارتنا، واللقاء بنا.. في البدء لم أكن أعرف أن هذا الشاعر الشاب هو سيف ابن صديقي الشاعر الشهيد قتيبة الخليفاوي، الذي اغتالته الأيادي القذرة عام 2005 في منطقة الجزيرة بالأنبار، بسبب مواقفه الوطنية الداعمة لوحدة العراق… والمناهضة للطائفية.. وانتسابه للشرطة العراقية البطلة ..
وقبل هذه الزيارة كان مدير تحرير “الحقيقة” الزميل الشاعر عدنان الفضلي، قد أخبرني بأنه التقى في مهرجان شعري أقيم في الفلوجة قبل ثلاثة أشهر تقريباً، بشاعر شعبي شاب يحمل صورة فوتغرافية تجمع بيني وبين أبيه الشهيد، وقد طلب الابن من الزميل الفضلي رقم تلفوني وعنوان الجريدة.. فشكرت الزميل عدنان على ذلك.. وانتهى الموضوع عند هذا الحد.. !
لكني فوجئت بعد فترة بنشر هذه الصورة على إحدى صفحات الفيسبوك.. وللحق فإني حزنت وفرحت كثيرا عند رؤيتي الصورة.. حزنت لاستشهاد صديقي الشاعر الجميل قتيبة، وفرحت لأن له ولداً وفياً ونبيلاً وملتزماً بأفكار ومبادئ ووطنية وشجاعة أبيه.. والأروع هو بحثه عن اصدقاء وزملاء أبيه واحداً واحداً..
لذا فقد كانت زيارته لي أمس في الجريدة أمراً يدعو الى الفرح والفخر والاعتزاز في نفس الوقت، فأستقبلته بالأحضان، وقدمته بفخر للزملاء العاملين في الجريدة، وأجلسته في وسطهم، لا سيما وأنه قادم من الفلوجة لغرض زيارتنا فحسب..
وبجرأة تذكرني بجرأة أبيه، أخرج من محفظته الكبيرة ورقة وراح يقرأ لنا منها أبيات شعر جديدة كان قد كتبها خلال هذه الأيام.. أي في أيام الحرب الدائرة بين مطايا داعش وأسود الحق من رجال الجيش والشرطة وأبناء العشائر الأبطال…
ولأن الكتاب يقرأ من عنوانه، فقد كانت القصيدة التي تحمل اسم (افزع وياي) معروف توجهها وهويتها من العنوان.. لذلك شدتنا اليها من عنوانها، ومن البيتين الأولين فيها.. فرحنا ننتقل مع شاعرها من مقطع الى مقطع، ومن صورة الى صورة، حتى أرتوينا بزلالها الصافي كصفو المحبة العراقية السامية .. لاسيما وقد إزدحمت القصيدة بالصور الشعرية، واللحمة الوطنية، والأنفاس العراقية العطرة التي تطلقه كل طوائف الشعب العراقي.. لكن الأروع كان في دعوة الشاعر الصريحة لأهله من أبناء الجنوب للوقوف مع اهالي الفلوجة يداً بيد من أجل طرد عصابات داعش، وتطهير الفلوجة خصوصا، والأنبار عموماً من دنس أوغاد الإرهاب الطائفيين..
ولعل الامر الذي أفرحني انه طلب نشر القصيدة في جريدة الحقيقة، وحين سألته إن كان نشرها سيجلب خطرا عليه من عصابات داعش.. فضحك وقال..
– عمو آني ابن ابوي!!
– فقلت له: والنِعِم منك ومن أبوك ..
فشعرت بالفخر لأنه ابن صديقي .. وطلبت من الزميل مدير التحرير نشر القصيدة دون حذف أي بيت منها، مع نشر صورة لشاعرها البطل.. كما كتبت للقصيدة أربعة سطور للتعريف بالشاعر، وبالقصيدة..
تحية للفلوجة التي انجبت مثل هذا الشاعر الشاب.. وتحية لروح صديقي الشاعر الشهيد قتيبة، تلك الروح التي أضاءت بوهجها طريق الشرف الوطني أمام ولده سيف ليكون شاعراَ، وطنياً شجاعاً مثل أبيه.. وحتماً فإن في الفلوجة، والأنبار مئات الشجعان والأبطال الوطنيين الشرفاء، إن لم يكن الآلاف أو عشرات الآلاف منهم مثل سيف قتيبة البو خليفة .. ويقيني هذا، جاء لكون الفلوجة مدينة عراقية للعظم.. وأهلها عراقيون من الوريد الى الوريد…
أما إذا رأيتم مجرماً قاتلاً، وشخصاً طائفياً في الفلوجة، فاعلموا أن هذا الشخص ليس عراقياً، ولا فلوجياً، فهو أما (لفو) على الفلوجة، أو مستورد اليها من صحارى الوهابية ومستنقعات الطائفية السعودية…

