الإفتتاحية

مدرسة طريق الشعب

فالح حسون الدراجي

   قبل أربعين عاماً، وفي مثل هذا الشهر الربيعي قادتني أقداري السعيدة الى شارع السعدون في بغداد حيث يضيء هناك البيت الذي كأنه البستان، وأي بستان يكون حين يحمل اسم طريق الشعب. 

أما كيف، ولماذا جئتُ الى هذا البيت المضيء بحب الناس، وأنا الفتى الذي لم يصل الى الثامنة عشر من عمره إلاَ قبل خمسة شهور، ولا يملك من امدادات الثقافة والاعلام غير زوادة الشعر، ورغيف الحب لحزب الكادحين..؟ فالجواب يأتي عبر النداء الذي وجهه الحزب الى قواعده وخلاياه، وهو يدعو فيه (الرفاق) الذين لديهم إمكانيات وقدرات في الكتابة والطباعة والتصميم الصحفي إدراج أسمائهم في قوائم المتطوعين للعمل في (طريق الشعب)!!

وهكذا وجدتً نفسي أمام بناية جريدة طريق الشعب صباح ذلك اليوم المعطر بالورد الآذاري، حيث كان يقف على باب الجريدة رفيقان مسلحان بسلاح الكلاشنكوف.. إقتربت منهما وأنا أرتجف خجلاً وقلقاً، حتى كدت أعود من حيث أتيت لولا أن أحد الرفيقين الحارسين عرفني.. فنادى عليَ بصوت عال: أهلاً رفيقي تفضل!!

دخلت.. وعند صالة البناية، استقبلتني شابة سمراء بابتسامة أزالت الكثير من الحرج الذي كنت فيه.. قلت لها: أنا فالح حسون الدراجي جئت متطوعاً للعمل في الجريدة.. أومأت لي برأسها، ثم أخرجت من الملف الذي أمامها ورقة، راحت تبحث فيها عن اسمي لتبتسم، وتقول: أهلاً رفيق فالح.. تفضل..

أخذتني الى غرفة مدير التحرير، الذي رحب بي ثم سألني عن القسم، أو الصفحة التي أحب العمل فيه.. قلت له : أنا فالح حسون الدراجي شاعر شعبي.. وبكيفكم وين ما تخلوني..

 قاطعني مدير التحرير، وقال: إنت وين تحب تكون رفيق؟

وقبل أن أجيبه، أجابه أحد الأشخاص الذين كانوا يجلسون بقربه قائلاً: خليه بالتصحيح..

التفتُ الى المتحدث لأجده شمران الياسري (أبو گاطع)، ذلك الكاتب الشيوعي الكبير الذي أقلق نظام البعث وأخافه بقلمه الفذ.

إبتسمتً له، فإبتسم لي وقال:ـ إذن أنت فالح الدراجي؟!

ثم إلتفت الى مدير التحرير وقال له:ـ  هذا خوش شاعر أبو نبيل.. أعرفه من خلال ابني فائز.. بالحقيقة فائز مدوخني بيه، حافظ هواي من قصايده..

قلت له: شهادة أتشرف بها من كاتب كبير مثلك..

ضحك أبو گاطع وقال:ـ لا والله عمي هاي شهادة فائز، بس آني ما أخفي عليك قريت لك چم قصيدة حلوة بالجريدة وأعجبت بيها، حتى أخذت وحدة منهن ودخلتها بجزء من أجزاء رباعيتي اللي جاي أكتب بيها.. ثم أكمل ابو گاطع كلامه لي قائلاً:

ـ روح لقسم التصحيح أحسن إلك.. لأن بهذا القسم راح تتعلم كل فنون الصحافة، وراح تطّلع على كل الاشكال الصحفية بيه.. 

قلت:ـ صار استاذ.. أروح للتصحيح.. هز رئيس التحرير رأسه بالموافقة.. 

نهض أبو گاطع ومسكني من يدي وأخذني الى السيارة لنصل بعد دقائق قليلة الى مطبعة الرواد المقابلة لدائرة الامن العامة، حيث يوجد فيها قسم التصحيح. في غرفة ضيقة وجدنا الشاعر الشهيد (أبو سرحان) والشاعر جمعة الحلفي ـ أطال الله عمره ـ وهما منهمكان بالعمل.. قراءةً وتصحيحاً.. صافحني أبو سرحان، وجمعة  بحرارة، خاصة وأن الحلفي صديقي وزميلي وابن مدينتي.. وقبل أن يغادر شمران الياسري غرفة التصحيح قال لأبي سرحان:

ـ هذا شاب متحمس يريد يخدم الحزب، ويتعلم، والرجل جاي متطوع، (يعني بلوشي، لا فلس ولا عانة.. فعلموه زين)..

بعد ذلك ألتفت لي قائلاً: إسمع فالح.. هاي مو جريدة فقط مثل بقية الجرايد.. إنما هاي مدرسة.. مدرسة حقيقية!! 

ثم مضى أبو گاطع وتركني مع الزميلين، لكن الجملة التي قالها ظلت ترن في أذني حتى هذه اللحظة.. فعلى الرغم من أني لم أبق في جريدة طريق الشعب اكثر من تسعة أشهر، إذ التحقت بعدها بخدمة الجيش الالزامية، لكني استفدت منها ما لم أستفده من غيرها طيلة أربعين عاماً عملت فيها بالصحف العراقية والعربية.

لقد كانت جريدة طريق الشعب مدرسة فعلاً..

 كيف لا..! وقد كان فيها قمم ابداعية عالية مثل يوسف الصائغ وسعدي يوسف، وعبدالرزاق الصافي، وفالح عبدالجبار، وزهير الجزائري، وشمران الياسري، وعبدالرحمن عناد، ورضا الظاهر، ورشدي العامل، وعبدالمنعم الاعسم، والفريد سمعان، وصادق الصائغ، وفاطمة المحسن، وسعاد خيري، وسعاد الجزائري، وابراهيم احمد، وخليل الاسدي، ومخلص خليل، وأبو سرحان، وجمعة الحلفي، وعفيفة لعيبي، وصادق الفلاحي، وآرا  خاجادور وعشرات الاسماء اللامعة في سماء الثقافة الوطنية..

فشكراً لطريق الشعب المدرسة التي تعلمت فيها أول حروف الكتابة الصحفية..

وشكراً لطريق الشعب التي علمتني كيف أكون مخلصاً لها، وأكون صديقاً وفياً لمبادئها، وتراثها الوطني والإبداعي الزاهر أبداً.. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان