البرازيليون شعب استثنائي لا يشبهه شعبا آخر على سطح الكرة الأرضية.. والبرازيل بلاد جميلة حد الدهشة.. فجمالها الساحر، لا يكمن فقط في الطبيعة الفريدة المتكونة من ماء أزرق، ومرتفعات جبلية سوداء، وأرض مستوية بتراب أحمر، وخضرة ثرة (ليس في ارض البرازيل شبر واحد بلا خضار)! ولا في طقسها الجميل المذهل. ولا تكمن روعتها في التركيبة البشرية المتشابكة حد الذهول.. بحيث تجد في كل بيئة رجلاً أشقر بعينين خضراوين، وفتاة سمراء بعينين سوداوين، وبينهما تجد العنصر الثالث المختلط الذي يسمى (الميكس)، وهو الذي يجمع المسحتين البيضاء والسوداء، والعيون الزرق!
ولا يكمن أيضا فقط في ذلك الجمال المجنون الذي تتمتع به غالبية نساء هذا البلد الكبير بشرياً وجغرافياً واقتصادياً وجمالياً إنما تكمن كذلك في رابطة العشق الوجداني بكرة القدم.. فهذه البلاد لا تلعب الكرة إنما تتنفسها، وتنظر وتسمع وتتذوق بها.. فضلاً عن أن شعب البرازيل الذي ينطق اللغة البرتغالية بأكثر من لهجة، يتحدث لغة كرة القدم بلهجة واحدة، هي لهجة المهارات الفنية العالية.. والحب الكروي المجنون رسمياً، وشعبياً. فالشارع البرازيلي ليس شارعاً سياسياً، ولا شارعاً اقتصادياً، أو شاعرياً، أو تشكيلياً، إنما هو شارع كروي مغلق تماماً. لذلك تجد أن رئيسة الجمهورية تتحدث عن نيمار وسيلفا أو ديفيد لويز، وكأنها متخصصة في فنون الكرة.. وتجد أيضاً سائق التاكسي لطيفاً وودوداً ومتجاوباً معك حين يعلم أنك من محبي المنتخب البرازيلي وستجده عكس ذلك تماماً حين يعرف أنك تفضل منتخباً آخر على منتخب بلاده، خاصة إذا كان هذا المنتخب، منتخب الأرجنتين الغريم التقليدي لمنتخب البرازيل. لذلك فإن الهزيمة الثقيلة التي تلقاها فريق البرازيل على يد الماكنات الألمانية في الدور نصف النهائي لبطولة كأس العالم قد أطفأ نور المصابيح الملونة في عيون البرازيليات الفاتنات، اللائي كن يسهرنَّ حتى ساعات الصباح الأولى على شواطئ المحيط، وهنَّ يرقصن السامبا، ويتبادلن المشاعر الحلوة مع كل عشاق الحياة، ومحبي منتخب نيمار. ولعل الغريب في الأمر أن هذه الخسارة المريرة اقتلعت تلك اللطافة والأريحية والرغبة الجامحة للحياة والحب، وأزالت بسرعة عجيبة ذلك المزاج الرائق الذي كان يتحلى به المجتمع البرازيلي. إذ تحول فجأة هذا الشعب الحيوي المبهر الى شعب آخر. شعب لا يمت لذلك الشعب الذي كان يرقص على أنغام الفرح حتى الثمالة..
لقد كنت يومها في البرازيل، وعشت بنفسي تفاصيل ذلك الوجع الذي فتح في الصدور جرحاً غائراً لايمكن أن يطيب بسهولة، فرأيت بأم عيني كيف يبكي النساء والرجال في شوارع، وفي ساحات وبيوت وبارات ريو دي جانيرو، وساوبالو، وبرازيليا وغيرها من المدن البرازيلية. وكيف يتحول هذا الشعب الحلو الطيب المسالم، والوطني جداً الى شعب قاس، وقد تجلت هذه القسوة عندما قام بعض البرازيليين بحرق علم بلادهم الوطني. وهذا أمر لم يحدث قط في كل تاريخ البرازيل. فالبرازيليون المعروفون بتقديسهم لعلمهم، ونشيدهم الوطني، بحيث كانوا ينهضون بخضوع، أينما وجدوا، وحلوا، ليرددوا كلمات نشيد بلادهم جميعاً، بمجرد سماعهم لاعبي منتخبهم يرددون ذلك النشيد في الملعب..
والبرازيليون الذين رفعوا ملايين الأعلام الوطنية في الشوارع والساحات والبيوت منذ اليوم الأول لبطولة كأس العالم وحملوه على أكتافهم وأعناقهم، لما له من حب واعتزاز في ضمائرهم، ووجدانهم.. هذا العلم المقدس، لم يسلم من ردة فعل الجماهير الغاضبة فتعرض للحرق والإهانة مما دفع بالحكومة البرازيلية الى رفعه من الشوارع خلال ساعات قليلة حفاظاً على كرامة العلم. والمفاجأة الثانية في هذا الأمر أن البرازيليين – بمجرد أن صحوا من هول الضربة الألمانية الموجعة – راحوا يبكون بمرارة ليس للخسارة فحسب بل ندما على ما فعلوه بحق علمهم العزيز..
لقد تذكرت العلم العراقي الحبيب وأنا أرى البرازيليين يبكون عبر شاشات التلفاز ندماً على حرق علمهم الوطني.. تذكرته، وأنا أرى وأسمع أن عدداً من أفراد البيشمركة (البارازانيين) قد أهانوا وأنزلوا علمنا الوطني من مباني محافظة كركوك.. ليضعوا علماً انفصالياً بدلاً عنه، والمشكلة أن العلم العراقي لم يهن وينزل أمام أنظار السياسيين الكرد فقط، إنما حدث أيضاً أمام الساسة العرب الذين لم تهتز شعرة من شواربهم العروبية، فيقولوا كلمة واحدة بحق هذا العلم الذي أراد صدام حسين في يوم من الأيام غزو قطر لأجله بعد أن مزقه اللاعبون القطريون الأوباش في ملعبهم قبل حوالي ثلاثين عاماً. وإذا كان صدامهم العروبي قد أنذر حكومة قطر من قبل، وأجبرها على أن تتقدم بالإعتذار للعراق رسمياً فلماذا لايقف اليوم البعثيون والعروبيون وقادة الجيش القدامى مثل ذلك الموقف، فينتفضون ولو بالكلام فقط على من أهان العلم العراقي وأنزله من ساريته في كركوك إن كانوا عراقيين بحق.. فيؤكدون بذلك دفاعهم عن العلم الذي كاد أن يكون سبباً في حرب أخرى لو كانوا صادقين.. أم أن شوارب العروبيين تهتز في مكان، (وتنچب) في مكان آخر؟!
ونفس الشيء سيقال عن الكاتب والإعلامي سعد البزاز الذي كتب وقتها مقالة طويلة عن حادثة تمزيق العلم العراقي بيد القطريين، فأقام بها الدنيا ولم يقعدها، وأظن أن تلك المقالة القوية التي نشرت وقتها في صحيفة (العراق) قد قرأت من قبل ملايين العراقيين، فأثارت مشاعرهم، وعبأت نفوسهم للإنتصار لعلمهم الوطني المغدور.. والسؤال: لماذا لا يكتب اليوم سعد البزاز مقالة كتلك المقالة التي كتبها قبل ثلاثين عاماً، ليثير بها أيضاً مشاعر العراقيين عرباً وكرداً وقوميات وأطيافا أخرى؟
الآن سعد البزاز غادر مهنة القلم، وتحول الى (بزنس مان)، أم أن شبكة العلاقات الواسعة والمتشابكة التي تربطه بمسعود بارزاني تنسيه قداسة العلم العراقي، وتمسك بشاربه عن الهز؟
وإذا كانت كارثة خسارة البرازيل أمام المانيا قد عالجتها رئيسة البرازيل بكلمة جميلة قالت فيها: لقد هزمنا بمباراة واحدة، ولم نهزم كل المباريات الكثيرة التي أمامنا، وخسرنا كأساً واحدة، ولم نخسر كل الكؤوس العديدة التي سيلعب عليها أبناؤنا في السنين القادمة.. فأمامنا متسع من الوقت لكي نهزم الذي هزمنا لمرات عديدة قادمة، ونحرز الكأس العالمية التي لم نحرزها اليوم.
وإذا كانت كارثة حرق العلم البرازيلي قد انتهت أيضاً بخروج الجماهير البرازيلية الى الشوارع باكية نادمة، غاضبة على (حفنة الأولاد المفجوعين بمأساة الخسارة)، فمتى تنتهي كارثة إهانة العلم العراقي، وإنزاله في كركوك؟
قد يقول البعض: ولماذا تتحدث عن العلم في كركوك، ولم تتحدث عن إهانته في الموصل؟
فأقول: أن إهانة العلم العراقي في الموصل جاءت على يد (كلاب داعش)، وهذا أمر يحدث في الحروب بين الأعداء.. وقريباً سيأتي بإذن الله اليوم الذي نضرب فيه مؤخرات داعش بأحذيتنا ونطردهم من أرض الموصل الحدباء، لكن المشكلة هنا، أن الذين أهانوا علمنا، وأنزلوه في كركوك هم شركاؤنا في الوطن والدين والعملية السياسية، والميزانية المالية، وليس أعداءً لنا مثل داعش، فهل سنفعلها معهم كما يريدها النائب الشجاع كاظم الصيادي.. ولا أريد أن أذكر ما قاله الصيادي في رده على النائبة الكردية نجيبة نجيب في جلسة البرلمان الأولى، لأن هذا الرد قد سمعه الملايين !
وعودة الى ملاعب البرازيل وبطولة كأس العالم في البرازيل، أود أن أشير الى أني فكرت بحمل العلم العراقي الكبير معي في حقيبة السفر قبل أن أفكر بحمل أي شيء آخر.. لذلك جلبته في حقيبتي بفخر واعتزاز كبيرين، ورفعته في ملعب برازيليا، وملعب ريو دي جانيرو بفخر أيضاً.. فأنا أرفع أشرف الأعلام، وأقدسها – عندي – وللحق فقد صفقت للعلم العراقي جماهير البرازيل والجزائر ونيجيريا ومصر وأمريكا، وغيرها من الجنسيات الحاضرة في ملعب برازيليا.. وقد نقلت صورتي وأنا أرفعه في ذلك الملعب أثناء مباراة البرتغال ونيجيريا قناة النقل التلفزيوني الخاصة بالبطولة، فشاهده مرفوعاً ملايين المشاهدين في العالم.. فضلاً عن أنني حملته في تجوالي أينما أذهب في شوارع ومطاعم وساحات البرازيل، وبصحبتي كان نجم الرياضة في قناة الحرة عراق الزميل العزيز حسام حسن، والمصور الرياضي اللامع قحطان سليم، والصحفي العراقي الكردي زانة، وغيرهم من الزملاء الإعلاميين العراقيين..
لقد أنزلوا علمنا الحبيب في كركوك، فرفعناه رغماً عن أنوفهم في البرازيل، حيث يقام فيها أعظم ملتقى انساني في العالم.. وأهانوه في تكريت، فأكرمناه في أكبر ثاني مدينة في الكرة الأرضية.. وأمامنا متسع من الوقت لكي نرد لعلمنا كرامته المهدورة في كركوك وتكريت.. والأيام حكم بيننا..!!





