ثقافة شعبية

كوميديا سوداء في “يوميات كاتب عرايض”

عدنان الفضلي

تعدّ عوالم الشاعر والكاتب الصحفي كاظم غيلان، من العوالم الغريبة في ماضيها وحاضرها، وكذلك فأن سيرته أيضاً تختلف عن أغلب سيّر زملائه الأدباء والصحفيين، فقد لمس كثيراً من القصص الحزينة والأوجاع المفتوحة على طرقه وأزقته التي عاش أو مرّ بها، فما بين تشظيات الحياة وكثرة الإنكسارات عاش هذا الأديب وهو غارق في آلام يخفيها من خلال سخريته التي لا يتقمصها بل هي أصلاً تشكّل مكمّلاً لشخصيته، وبالتالي ففي حالة تقصّي سيرة حياته سنجد فيها من الغرابة و”الكوميديا” الكثير، وسنكون قبالة رحلة قراءة ممتعة وموجعة في حين واحد، لا لشيء إلا لكون من نتابع حكايته وحكاياته ليس سوى كاتب ساخر موجوع حد الألم.

في كتابه الجديد (كاتب العرايض) الصادر مؤخراً عن دار كوديا للنشر والتوزيع يقدم لنا الشاعر والصحفي كاظم غيلان وجبة دسمة من الحكايات الحقيقية الخالية من التزويق، والمكتنزة بوقائع لا يكتنفها خيال أو تراكيب سردية متعالقة مع أحداث أخرى، بل أن كل متلق سيشعر بصدق ما مدوّن في هذه اليوميات.

ينبهنا الكاتب منذ مدخله الأول الذي يبدأ به التدوين، الى أنه لم ولن يرتكن الى غير ضميره في سرد هذه الحكايات التي تضمنها الكتاب حيث يقول ما نصّه “في ظل هكذا اشكالية سأقول ما يمليه عليّ ضميري وللوقائع التي عشتها تماماً”.

وفي تمهيد ليومياته التي يصفها بالصاخبة، يطلعنا كاظم على كمية التحفيز الكثير الذي وجده من زملائه في صناعة هذا الكتاب، وكيف صار مشروعاً مؤجلاً  في وقت ما، ويشرح لنا وبالأسماء والتواريخ الحوافز والمحفزين، حيث ترد أسماء مثل كريم عبد وزاهر الجيزاني وعباس ثابت وعبد الله صخي وجمعة الحلفي وحميد قاسم وياسين النصيّر وهاشم العقابي، لكن أهم ما جاء في هذا التمهيد هو الصرخة الحقيقية والإعتراف المرير للمؤلف حين يتحدث عن كونه كاتب (عرايض) مرّت به أحداث كتبها لأناس غرباء وأقرباء، تحمل في طياتها قصصاً موجعة حيث يقول المؤلف ما نصّه “كتبت لامرأة يزني زوجها بابنته، وكتبت لشقيق فنان  يطلب الرحمة من صدام حسين الذي أعدمه بعد العريضة، كتبت لعاهرة، وشاية بمن اكتشفوا أمرها لتصفهم بـ (المعارضين) كتبت لأب طاعن بالسن يبحث عن ولده الوحيد الذي اختفى من (دائرته) ويرجو من قصي صدام حسين مساعدته لمعرفة مصيره”.

في الدخول الى يوميات كاتب (العرايض) والذي هو المؤلف نفسه لهذا الكتاب نعرف السبب أو المصادفة التي قادته الى هذا العالم المغلق المسمى (كتّاب العرايض) حيث يروي قصة أول عريضة كتبها وهو لم يزاول المهنة بعد، حيث يقول “الذي قادني لكتابة العرايض وامتهانها هو عريضة طلبت مني شقيقتي الكبيرة (نجاة) تنظيمها معنونة الى وزير الدفاع تشكوه حالها في البحث عن مصير ولدها (حيدر) الذي فقد إبان حرب الخليج، نظمت العريضة وقصدت باب المعظم لطباعتها فدلفت أحد المحلات، ووجدت الشاب الذي يجلس خلف الطابعة يعمل ببطء فدفعني فضولي بأن أقوم بطباعتها وعلى الفور فسح لي المجال، وما أن انتهيت وسلمته أجرة الطباعة حتى سألني:

  • ما شاء الله سريع .. ليش ما تشتغل عدنه؟
  • أجبته: أفكر بالموضوع وباجر أمرلك

قلت هذا تجنباً للقبول السريع، إلا أني كدت أطير فرحاً وها أنا سأمسك بمفتاح إقامتي ببغداد لأطرح الحصار صريعاً”.  

حكايات الكتاب كثيرة ومتنوعة لكن في مجملها هي عبارة عن كوميديا سوداء، وأوجاع وطن وشعب تجمعت في ذاكرة المؤلف فحولها لعرائض ويوميات صحفية، فتارة يحدثنا عن عريضة مقدمة من شقيق الفنان الشهيد صباح السهل يتوسل بها صدام للعفو عن صباح، وكيف أن العريضة لم تنفع وأعدم السهل، وفي حكاياته ما هو شخصي، حيث يتحدث عن معاناته اليومية، وكيف كان يعاني شظف العيش وسكنه في فنادق رخيصة، يشاركه زملاء آخرون مثل عبد اللطيف الراشد وأحمد الثائر وعقيل علي وغيرهم.

من الحكايات المؤلمة التي يسردها الكاتب هي توجعه الدائم بسبب شعوره بالتسبب في وفاة والدته حزناً وكمداً بعد أن تم سجنه، حيث يقول “الذنب الأكبر الذي اقترفته في حياتي والذي يعيش معي هو تسببي بوفاة أمي، والأشد حزناً أنني عرفت بوفاتها بعد أن أنهيت محكوميتي، فتأكدت بانها قد فارقت الحياة قبل ثلاثة أشهر من مغادرتي السجن”.؟

لا يترك المؤلف مساحة من دون التذكير بخسة ونذالة السلطة آنذاك، بل ولا يبتعد في حكاياته عن توظيف مواقف البعثيين السخيفة والمعيبة، فهو في كثير من حكاياته يذكرنا بالوشاة والمطبلين والمتملقين الذين يكسرون رقاب أصدقائهم من أجل كسب رضا السلطة.

هناك كثير من الحكايات التي يمكنني وضعها في خانة التوثيق، وهي حكايات توثق لسنوات الحصار المرّ الذي تذوقه العراقيون لمدة عقد ونصف، وهو الحصار الذي أجبر الكثير من المثقفين العراقيين على مغادرة بلدهم، وصاروا يلوذون بدول الإغتراب، وفي حكاياته يشعر المتلقي لوعة المؤلف وهو يسرد لحظات الفراق التي توجعه حين يهمّ مثقف عراقي بمغادرة الوطن.

الكتاب هذا يضجّ بالحزن والوجع العراقي، لكنه ممتع ومفيد، كونه احتوى توثيقاً ووثائق مهمة، حيث يمكن الرجوع لها في حال أراد الباحثون توثيق حياة المثقف العراقي في زمن البعثيين والقوميين، كما أن الكتاب كتب بلغة تتيح للجميع تلقيه بسلاسة والاستمتاع به.   

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان