الإفتتاحية

المنطقة الحمراء.. والمنطقة الخضراء

فالح حسون الدراجي

لم أكره في حياتي شيئاً كما كرهت التمييز الطبقي، ولم أمقت مرضاً كما كرهت مرض الطائفية.. فالتمييز الطبقي، والاجتماعي الذي أوجعني في طفولتي وصباي جعلني أسرعُ راكضاً الى الحزب الشيوعي العراقي في باكورة وعيي السياسي فأنتمي له، لعلمي ويقيني الذي لا يقبل الشك بأن الحزب الشيوعي العراقي هو الممثل الوحيد للطبقة العاملة والكادحة المسحوقة. أما جذور هذا الوجع الطبقي فقد نشأت عندي عندما كنت طالباً في مدرسة الحارث الابتدائية بمنطقة راغبة خاتون في الاعظمية، حيث جئنا وقتها من العمارة الى بغداد نازحين مع الفلاحين والفقراء في جنوب العراق، بما يسمى هجرة الفلاحين الاولى، فأقمنا في تلك المنطقة بصريفة تقع خلف السدة الشرقية، وكانت هذه السدة التي انشئت عام 1956 لمنع مياه الفيضان من الوصول الى المناطق السكنية في بغداد فاصلة منيعة بين الصرائف، والقصور.. فكان هناك عالمان متناقضان تماماً لايبعد أحدهما عن الآخر سوى عشرة أمتار لاغير.. فعشرة أمتار كانت كافية لأن تفصل بين معيشتين، وحياتين مختلفتين، فنحن ـ أصحاب الصرائف ـ نعيش في هياكل طينية مهلهلة.. لا ماء فيها ولا كهرباء، ولا أي زقاق وصلته أمانة العاصمة طيلة السنوات التي عشنا فيها هناك.. بينما يعيش سكان البيوت المقابلة معيشة راقية من جميع الوجوه: مأكل ومشرب وملبس وخدمات متكاملة تقريباً.. ولأن أبناء الصرائف وأبناء القصور ينتظمون في مدرسة واحدة.. فقد كان لزاما علينا أن نلتقي بهم في الصفوف وساحة الاصطفاف كل يوم.. وكان في هذه المدرسة مدير حقير، وفراش ضعيف، وهزيل يخاف من هذا المدير خوفاً شديداً، فينفذ تعليماته التمييزية بشكل تام.. حتى كان يعاملنا كل صباح يوم ممطر معاملة (الكلاب) فيوقفنا في باب المدرسة وأمام المارين حاملاً بيده (صوندة) كبيرة يجري منها ماء قوي وغزير، فنقف في طابور طويل لنغسل احذيتنا (البلاستيك) غسلا تاما من بقايا الطين العالق بها..ولا يسمح لأحد منا مهما كان نظيفاً، وحذاءه نظيفا من الدخول الى المدرسة قبل أن يغسل حذاءه. ولعل المؤلم في الامر ان مدير المدرسة قد أوكل لهذا الفراش البائس أداء مهمته البوليسية في ( تأديب ) المخالفين فيضربنا بشدة وقسوة عجيبتين !! بينما يأتي الطلاب الاغنياء من ابناء القصور ويمرون أمامنا بشماتة وكبرياء، ويدخلون المدرسة بأحذيتهم النظيفة اللماعة وسط ترحيب هذا الفراش، فكان يردد على مسامعنا ونحن منشغلون بغسل الاحذية: شوفوا يا أولاد الكلب.. شوفوا الأوادم شلون احذيتهم نظيفة.. فكان شقيقي الشهيد البطل خيون ـ ابو سلام الذي كان وقتها في الصف السادس الابتدائي ـ يرده بإحتقار، ويقول له: طبعاً أحذيتهم نظيفة لأن ذوله يجون بسياراتنا.. بسيارات الشعب.. اللي يستغلوها.. لأن آباءهم ضباط.. وزراء، مو مثلنا يجون مشي بالطين!

فينهره ذلك الفراش قائلاً:ـ منين اجتكم ولك سياراتكم.. چا هيَ سيارات الخلفوك، لو سيارات الحكومة.. وهُمَ ذوله الحكومة؟!

لقد حفرت تلك الصباحات القاسية، وتلك الايام الموجعة جروحاً عميقة في وجداني.. ولا يمكن لي أن أنساها ابداً.. لذلك كرهت الاقطاع والبرجوازية وكبار الضباط المسؤولين وابناءهم وكل الذين يستغلون الشعب، ويهينون أبناء الشعب. كما كرهت كل ما يفصل بين الناس والناس.. وكرهت السدة التي جعلت منا (سكان خلف السدة) وجعلت منهم (سكان قبل السدة).. وكرهت التمييز الطائفي ايضاً، ذلك التمييز الذي جعلهم في صدر السلطة، وجعلنا في (مؤخرة) حكام السلطة.. لقد تذكرت هذه الاوجاع المنبثقة من الفوارق عندما قرأت أمس مقابلة صحفية اجراها الزميل محمد مؤنس ـ نشرت اليوم في جريدة الحقيقة – مع الدكتور حنين القدو، يقول فيها بأنه لا يخاف شيئاً يخسره.. فهو أبن المنطقة الحمراء وليس المنطقة الخضراء التي رفض السكن فيها.. لقد اعجبني هذا التوصيف، وقد أشرت له وأنا أثمن جهود الزميل محمد مؤنس الذي قام بأجراء هذه المقابلة.. وقلت في سري: لقد صدقت يا حنين القدو.. فنحن أبناء المنطقة الحمراء، أبناء المنطقة الموجوعة والمفجوعة، أبناء المظلومين والمحرومين والفقراء الذين كان يجبرهم ذلك الفراش على غسل احذيتهم من الطين في مشهد مذل وموجع كي لا تتوسخ ممرات (مدرسة) أبناء القصور الفخمة، وكأنهم العراقيون.. ونحن أبناء (الصومال).!

لقد صدقت يا قدو، وان كنت اختلف معك في بعض ما طرحته في مقابلتك هذه.. ولكن الخلاف لا يفسد للحق قضية.. فنحن ابناء المنطقة الحمراء الذين تحصدهم الانفجارات والمفخخات وكواتم الصوت، وتستفزهم ازدحامات العذاب، والقهر، وتذبحهم وتذلهم آلاف الاسباب التي تنتج آلاف (الفراشين) من موديل فراش مدرسة الحارث الابتدائية في شارع العساف براغبة خاتون قبل خمسة واربعين عاماً.

نحن أبناء المنطقة الحمراء المستعدون للتضحية في كل الأزمنة والأمكنة، ولمختلف الأسباب. أبناء المنطقة الحمراء منذ زمن حسقيل. وهم أبناء المنطقة الخضراء منذ عهد نوح عليه السلام الى عهد بريمر عليه (الكلام). فلهم خضراؤهم (مگشرين بيها) ، ولنا حمراؤنا متشرفون بها .. فالمستقبل دائماً ( لأولاد الملحة) من أصحاب أحذية البلاستيك المعطرة بطين الشروگية..!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان