تصنف هذه الرواية ضمن أدب الديستوبيا، وهو أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير، إذ يقدم مجتمعًا خياليًا فاسدًا أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. يحاول الكاتب تمرير عدة رسائل من خلال الكتابة عن هذا المجتمع الفاسد، وأهمها ضعف الروابط الأسرية؛ فعند هروب مجاهد لم يهتم والده بذلك، إذ قال: {صرخ الأب بغضب بارد: دعوه، لا فائدة منه، يأكل أكثر مما يعمل، ولا حاجة لي به} ص 9.
كذلك يتجلى هذا الضعف حين قامت جميلة بالهروب من بيت زوجها المتوفى، وتركها لابنتها عند جدتها. ويعد العنوان من العتبات النصية، وهو ثريا النص، إذ يقول بسام قطوس: {إن العنوان هو سمة العمل الفني أو الأدبي الأولى، من حيث إنه يضع النص الواسع في حالة اختزال}. وعنوان هذه الرواية هو الاسم الحركي لشخصية البطل، ومن خلال قراءة الرواية يستنتج القارئ سبب اختيار المؤلف لهذا العنوان.
أما الغلاف، فهو من العتبات النصية أيضا، وفيه صورة لشخص يرتدي ملابس سوداء، لا يظهر منه سوى عينين تقدحان شررا، وهو جالس على كرسي في إشارة إلى الزعامة، ويمسك بيده عصا غليظة في دلالة على القوة. ويشكل الغلاف خطابا بصريا، لأن الصورة ترتبط ارتباطا وثيقا بالمتخيل. وفي الغلاف الآخر نجد هذه الكلمات التعريفية: {صاحب السعادة هو كل من احتل منصبا بغير وجه حق، وحاز على كرسي يفوق قدراته وكفاءته بمبدأ المحاصصة، فأضر بالمجتمع من أجل غاياته الشخصية}.
المكان في هذه الرواية مكان معاد غير أليف، ويعرف المكان المعادي بأنه المكان الذي يبث مشاعر النفور والخوف والتهديد، وهو نقيض المكان الأليف. أما الزمان فقد قسم إلى مرحلتين: الفترة الزمنية الأولى ما قبل عام 2003، والفترة الزمنية الثانية ما بعد عام 2003، ولكل مرحلة سماتها وصفاتها.
الحوار في هذه الرواية حوار خارجي، ويهدف إلى تطوير الأحداث وكشف الصراعات بين الشخصيات بمختلف توجهاتها.
تبدأ أحداث الرواية من مكان متواضع هو {قمامة المدينة}، حيث يتجمع الفقراء حول السيارات التي تأتي بالنفايات من أحياء المدينة، من أجل الحصول على ما يفيدهم. هذا العمل الروتيني لا يصنع شيئا للشخصيات، لكن أحلام مجاهد، ذلك الفتى الذي تربى في هذه البيئة القذرة، وطموحاته الكبيرة، جعلته يترك المكان ليبحث عن مكان وعمل آخرين من أجل تحقيق طموحاته.
على الصعيد الشخصي، قرأت العديد من الروايات التي تتناول ثيمة المتسولين وكيف يعيشون في مجتمعات قذرة، وغالبا ما تكون الجريمة حاضرة في حياتهم، وقد كتبت عن بعض هذه الروايات. ونجد في هذه الرواية شخصيات كثيرة، يعمل كل منها لمصلحته الخاصة، وسط فوضى عارمة، إذ يرى كل واحد الأمور من زاويته الخاصة، ويعد ما يقوم به عملا مشروعا. يقول مكسيم غوركي: {الورقة التي لم تسقط في فصل الخريف خائنة في عيون أخواتها، وفية في عيون الشجرة، متمردة في عيون الفصول، فكل يرى الموقف من زاويته}.
مجاهد هو الشخصية المحورية في الرواية، وهو أيضا صاحب السعادة، إلا أن أفعاله تناقض اسمه، فهو شخصية وصولية، أي فرد يسعى إلى تحقيق أهدافه ومصالحه الشخصية أو المهنية بأي وسيلة كانت، وغالبا ما يحقق طموحاته على حساب الآخرين، دون مراعاة للمبادئ الأخلاقية.
الرسالة الخطيرة التي مررها الكاتب هي أن الجهل طريق يؤدي إلى الضياع، إذ جاء في النص: {أدرك مجاهد أن في فرح قدرا من الذكاء والبصيرة، فأراد أن يتغلغل أكثر في عالمها الداخلي، فسألها عن دراستها وكيف تقضي وقتها. أجابته: أنا طالبة، وأقضي معظم وقتي في الدراسة. ثم سألته: هل أنت متعلم؟ تنهد وقال: للأسف لا، لا أعرف القراءة والكتابة، وكان من ضمن أحلامي أن أتعلم} ص 93.
أما فرح وفلاح، فقد آمنا بأن مجاهد لن يعود أبدا، فكان القرار بالنسبة إليهما بدء حياة جديدة دون انتظاره، بعد أن خذلهما وهرب. ويقول شكسبير: {غادر كل من حطم فيك شيئا أو أطفأ فيك توهجا، واترك من خذلوك، لا تشاركهم حديثا أو مكانا، واعبر بقلبك إلى مكان آمن، ولا تبحث عن سعادتك في المكان الذي فقدتها فيه}.
يعمل مجاهد بكل طاقته، مستعينا بأفكاره المنحرفة من أجل الوصول إلى مبتغاه، وبعد التغيير في النظام السياسي في العراق، تنفتح أمامه الأبواب لتحقيق طموحاته بالثراء، ولو بطرق ملتوية.
طموح مجاهد لا حدود له، فقد كان يحلم بالعمل في السياسة للوصول إلى السلطة، وقد تحقق له ذلك، لولا اصطدامه بابنه غير الشرعي {سعيد}، وقيامه بسجنه وتعذيبه من دون أن يعلم أن الضحية التي يمارس عليها سطوته وجبروته هي ابنه، نتيجة علاقة غير شرعية مع فرح.
نجد في هذه الرواية أن كثيرا من العقد تنحل بالصدفة؛ فلقاء فرح بأمها جميلة كان مصادفة، وكذلك لقاء مجاهد بابنه سعيد.
ومما يؤخذ على الكاتب أنه صور جبوري على أنه شخصية قوية جدا، تحسب حساب كل شيء، وتمتلك خبرة كبيرة في التعامل مع الآخرين، بدءا من السلطات، مرورا بالأطفال الذين جمعهم من الشوارع وأسس بهم مملكته، لكنه رغم ذلك يقع ضحية لصبي كان يعمل في جمع القمامة، ولا يجيد القراءة والكتابة، وهذا يعد ضعفا في تنامي الصراع بين الشخصيات.
في ختام الرواية، يشير الكاتب إلى أن الباطل سيهزم مهما تجذر في المجتمعات، وأن العدالة ستأخذ مجراها مهما طال الزمن. إذ ينتقم فلاح، وهو أحد شخصيات الرواية، من مجاهد ويقتله، وبذلك يخلص المجتمع من شخصية وصولية جشعة، عاثت فسادا في الأرض، وتركت خلفها كثيرا من الضحايا من دون وازع من ضمير.
روائي وناقد









