تحولات المعنى في الخزف العراقي المعاصر
أميرة ناجي *
في مساءٍ مشحونٍ بجمال المادة وقلق التحوّل ينهض الخزف لا كحرفةٍ بل كفلسفةٍ كاملةٍ تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعناصر الأولى هناك حيث تتآلف الأرض مع النار ويتحوّل الطين من هشاشةٍ أولى إلى صلابةٍ مكتسبة يتجلى الفن كاختبارٍ للزمن وامتحانٍ للذاكرة ضمن هذا الأفق يأتي معرض ما لا تكسره النار
What Fire Can’t Break ليعلن عن لحظةٍ مفصليةٍ في مسار الخزف العراقي لحظةٍ تتجاوز المألوف نحو أفقٍ أكثر عمقًا وجرأة.
أقيم المعرض يوم السبت الموافق 11 /4/ 2026 في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين حاملاً معه تنوعًا بصريًا وتقنيًا يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة الخزف كوسيط تعبيري معاصر لم يكن المعرض مجرد تجمّع لأعمال خزفية بل بدا وكأنه مختبر حي للتجريب حيث تتقاطع الرؤى الفردية مع الأسئلة الكبرى للفن وتتحول القطع إلى نصوص بصرية مفتوحة على التأويل.
إن عنوان المعرض (ما لا تكسره النار) لا يُقرأ كتوصيف مادي لصلابة الخزف بل كاستعارة فلسفية عميقة تُحيل إلى القدرة على الصمود والتحوّل في آنٍ واحد فالنار التي تُعد عنصرًا مُفنيًا في سياقات أخرى تتحول هنا إلى أداة خلق وإعادة تشكيل لتمنح العمل الفني بُعده النهائي ومن هذا المنطلق تبرز الأعمال المعروضة كنتائج لمسارات معقدة من التفاعل بين السيطرة والعفوية بين التخطيط والمفاجأة. تميّزت الأعمال المشاركة بخلفيات تقنية متقدمة عكست خبرات متراكمة لدى الفنانين سواء على مستوى التشكيل أو المعالجات السطحية أو تقنيات الحرق وقد برزت نزعة واضحة نحو التحرر من القوالب التقليدية حيث اتجه العديد من الفنانين إلى استثمار الخزف كوسيط مفاهيمي لا يقتصر على الوظيفة الجمالية بل يتجاوزها إلى إنتاج دلالات فكرية وثقافية في هذا السياق يمكن ملاحظة حضور لافت للتجريد والتفكيك البنيوي فضلاً عن توظيف الرموز المحلية ضمن صيغ معاصرة. كما أظهر المعرض وعيًا لافتًا بعلاقة الخزف بالبيئة والهوية إذ حملت بعض الأعمال إشارات واضحة إلى الموروث العراقي سواء من خلال استلهام الأشكال الأثرية أو عبر استحضار تقنيات تقليدية أعيد توظيفها بروح حديثة هذا التداخل بين الماضي والحاضر منح المعرض عمقًا دلاليًا جعله يتجاوز البعد الجمالي نحو أفق ثقافي أوسع. ومن الجدير بالذكر أن التنظيم العام للمعرض عكس احترافية عالية سواء في طريقة عرض الأعمال أو في خلق مسار بصري متماسك داخل القاعة لقد بدت القاعة وكأنها فضاء مدروس يسمح لكل عمل أن يحتفظ بفرادته وفي الوقت ذاته يندمج ضمن الكل العام للمعرض ولا يمكن هنا إغفال الدور الكبير لرئيس جمعية الفنانين التشكيليين Saad Alani في إنجاح هذا الحدث إلى جانب جهود اللجنة المنظمة وكافة العاملين الذين أسهموا في إخراج المعرض بهذا المستوى الرفيع. إن ما قدّمه هذا المعرض لا يمكن النظر إليه كحدث عابر بل هو مؤشر واضح على تحوّل نوعي في بنية الخزف العراقي فقد استطاع الفنانون المشاركون أن يعيدوا تعريف هذا الوسيط وأن يفتحوا له آفاقًا جديدة تتجاوز الاستخدامات التقليدية نحو فضاء أكثر اتساعًا وحرية وبذلك يغدو الخزف في هذا السياق لغة بصرية قادرة على التعبير عن تعقيدات الواقع وعن تحولات الذات في مواجهة العالم. في المحصلة يرسّخ معرض ما لا تكسره النار مكانته كواحد من أبرز المحطات في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر ليس فقط لما احتواه من أعمال متميزة بل لما أعلنه من وعي جديد بدور الخزف كفن قادر على إعادة صياغة الأسئلة الجمالية والفكرية إنه معرض يذكّرنا بأن ما يمر عبر النار لا يخرج منها كما كان بل يولد من جديد أكثر صلابة وأكثر قدرة على البقاء.
*ناقدة وفنانة تشكيلية









