ثقافية

بنت الأهوار والقصب والحضارة..

مدينة للقمح ، وللرمح ، ولقرط الأميرة عندما يتدلى من مسامع القيثارة وهي تنشد اشواق النخل وعذاب الخل وخلود الحلم القائل :ليس العيون من تنفي العشاق الى فيافي الحزن ، بل المدن عندما نعشقها دون ان نعلم. وما أكثر عشاق اور ، ما اغربهم ، بواسل كما تروس حروب الآلهة ، لايرهبهم عطش قيظ صيف ولا خرير مطر ثقوب سقوف الطين، يعطون للريح وجوههم ليدخلوها ضيفة في حدقات العيون وليكتشفوا منها نظرة الناعس لحلمه والجندي لمعركته والصياد لسمكته والكاهن لمعبده والاله لكأسه النذري ، فثمالة اور لاتشبهها أي ثمالة اخرى ، فهي تشربها من عطر الفخار ودمعة العاشق وفم النخلة.

تتألف المدينة كما أتخيلها وأنا أتجول بين أطلالها ومتبقى من بيوت وشوارع تمتد بأستقامة خط الشروع السماوي الذي يصعد ويهبط منه منار اله المدينة ، تتكون من أجزاء سكانية متجاوره وبهندسة واحدة ،هذا يعني أن التمايز الطبقي بين سكان المدينة ليس كبيرا، وأغلب البيوت بنيت بالطابوق المشوي ( الآجر ) وعقدت سقوفها بمادة الجص ، وقد استخدم اهل اور مادة القير في البناء كما يظهر اليوم بين طبقات جدران معبد زقورتها الشهيرة التي بناها اورنمو مؤسس مجد سلالة اور الثالثة وقد بناها تقربا من من الآلهة ، وعليه فأن الحديث عن المدينة بمنظور اقرب هو حديث عن وقائع تأريخ لم ينته بمجرد أحراق مدينة وأختفائها بين الطبقات الأرض بسبب تقادم العصور والممالك ، بل هو حديث الألف الى الياء، حكاية حضارة وهاجس بدء والكشف الأول عن الأشياء الجميلة. يكتب التأريخ سيرة المدن من خلال ما تعطي من نتاج وأكثره النتاج الفكري فهو الوحيد الذي يصلح ليكون لسان حال ما كان موجوداً ويري الباحث والقارئ الحقيقة كلها ، ومن هذه المدن التي رسمت للتاريخ خطا مضيئا من المعرفة والرقي تأتي مدينة أور ، فعلى بعد 15 كم شمال غربي مدينة الناصرية تبدو أثار أور المطلة على التأريخ من أوله حيث أنشأ السومريون واحدة من أعرق الحضارات ، ولتبدأ أشراقة بدء الوعي والخطوات الأولى صوب نوافذ المعرفة . وليس بعيداً عن أور تقع مدينة أوروك السومرية وفيها وضع الحرف خطوط أشجانه المعرفية وبدأت الأبجدية تنطق أناشيد التودد إلى الآلهة ، ونطقت الذاكرة السومرية تساؤلاتها بحروف مسمارية دونت على لوح الطين خطوطاً متساوية الأتجاهات ومدببة النهايات لتكون اللغة المفهومة الأولى في العالم . وعندما كانت هناك مدينة أوروك التي حكم فيها الملك الأسطوري جلجامش الذي كان يأم إلى أور في مواسم أعيادها الكثيرة ليأخذ من الآلهة النصح والأرشاد ليبدأ رحلته الأسطورية المعروفة بحثاً عن الحياة الدائمة التي لم يحصل عليها . ومع أوروك كانت هناك مدن سومرية أخرى لها ريادات كونية متعددة كمدينة أريدو التي تبعد عن مدينة أور 15 كيلومتر والتي تفتخر من بين مدن فجر السلالات أن أهلها السومريين أو غيرهم ممن سكن هذه البقاع هم أصحاب حضارة( العبيد ) ، الذين أبتنوا أول المعابد قبل أن تعرفها الحضارات الأخرى للتقرب من السماء ومنادمة الآلهة ، وفي الديانات التوحيدية كانت بيوتا لذكر الله وعبادته والتقرب إلى رحمته الكونية ، ومع أريدو كانت هناك مدن لارسا وتلو ولكش وسنكرة ومدن أخرى أجتمعت في نفس المحيط الحضاري الذي شيدت عليه أور مجدها العظيم . في ظل هذا الأديم الذي تكاملت فيه رؤى الأنسان الأول ، ومع أنتشار السلالات وتعدد أتجاهات الشعوب في لهجات وأمم ، كانت أور سباقة لتكون منشأ كل ماهو طيب ، وكان أهلها يفكرون قبل غيرهم بأسرار الموجودات التي يرونها حولهم حيث كان الخليج قبل مكانه الحالي يلطم بموجه الهادر أسس مدينة أور قبل أن يبتعد عنها ، لتبقى اليوم بعيدة عن النهر بعشرة أميال من جهة الشرق .وبالرغم من هذا كشفت أثريات هذه المدينة قدرة أهلها على شق الأنهر والترع والقنوات لنقرأ فيما تركوه من كشوفات أن التجارة النهرية لهذه المدينة أوصلت سفن السومريين إلى دلمون التي هي اليوم مملكة البحرين وكانت تعتبر قديماً الجنة المفترضة للخلود السومري ، وكانت لأور أيضاً معاملات مع ( مكان ) التي هي اليوم سلطنة عمان ومع بلاد الهند وكانت الأحجار الكريمة تجلب من مناجم (باداكشان) في أفغانستان ، والفخار المميز من كرمان وسط أيران ، ويقال أن تجارة هذه المدينة أمتدت شمالاً حتى أرمينيا في أسيا الوسطى . غير أن أهم مايميز المدينة أرتباطها بالرؤى التوراتية الأولى عندما أعتقد منقبها الأول والذي أكتشف أغلب تراث المدينة وأهمها كنوز مقبرة أور الملكية التي تعود الى ملوك وأمراء سلالة أور الثالثة العلامة البريطاني ( ليوناردو وولي ) الذي سحره الأعتقاد في بدء التنقيبات وكما جاء في مذكرات من رافقه في رحلة التنقيب مساعداً وهو العالم الأثاري ( ماكس مالوان ) زوج الروائية الأنكليزية الشهيرة ( آجاثا كرستي ) قوله في الصفحة 36 من المذكرات مانصه : ( كانت المغريات التي أجتذبت وولي للعودة الى أور في ذلك هائلة ، لأنها كانت مدينة قديمة مبجلة أرتبطت أرتباطاً وثيقاً بالعهد القديم ، وكان مايزال هناك عدد كبير من قراء الكتاب المقدس .لقد جعلت التنقيبات رحلة ( تارح ) أبي أبراهيم يسيرة الفهم لأن حران مثل أور كانت مركزاً لعبادة القمر . وكان وولي يأمل دائما في أن يكتشف بعض الأشارات إلى أبراهيم ، ورغم أن أسمه لم يظهر أبداً في سجل الألواح المسمارية ، إلا أنه أفلح في أعادة تكوين خلفية الوطن الأصلي لنبي العهد القديم هذا قبل هجرته من سومر التي سميت بلاد بابل فيما بعد إلى فلسطين . ) والأنتساب الأبراهيمي إلى أور تؤكده حقائق تأريخية عديدة غير ذلك الأثر الذي يبعد عن قاعدة الزقورة بحوالي 300 متر ويقال أنه البيت الذي ولد فيه أبراهيم الخليل { ع } والذي ظل مهملاً الى أن فكر قداسة بابا الفاتيكان في بدء رحلة كونية بمناسبة الألفية الثالثة وفاءً من قداسته للدور الريادي الذي لعبته هذه المدينة والتي عانت من أهمال مقصود عبر حقب عديدة من دولة العراق الحديثة منذ أن سمح للبعثات الأثرية بنبش أرض أور وسرقة كل كنوزها الأثرية التي تعرض اليوم في متاحف أوربا وأمريكا .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان