رحيم يوسف / بغداد
كان الجسد الإنساني، وما يزال، من أهم الموضوعات التي تناولتها الطروحات الفنية على امتداد التاريخ، وعبر عشرات الأساليب التي شكّلت مسارات فنية لمختلف الفنانين في أنحاء العالم، لما ينطوي عليه من إغراءات تمارس سلطتها على الفنان عبر مستويات متعددة. ولذلك تعددت وتنوعت التجارب التي اشتغلت به، وستظل كذلك، إذ تُستثمر تلك الإغراءات بحسب وعي الفنان وقدراته، لأن الوعي هو العامل الحاسم في عملية التجسيد الفني، كما هو معروف.
وعلى الصعيد العراقي، اشتغل أكثر من فنان على هذا الموضوع عبر تجارب أثبتت حضورها النوعي عالميًا، لا محليًا فحسب. ولعل المتابع لحركة التشكيل العراقي المعاصر يستطيع أن يشير إلى عدد كبير من تلك التجارب. ونحن هنا نتوقف عند تجربة واضحة المعالم، استطاع صاحبها أن يؤسس مشروعًا فنيًا يمتلك مقومات التفرد والتميز، شأنه في ذلك شأن تجارب أخرى لا يتسع المقام للإشارة إليها، وقد تناولنا عددًا منها في مقالات سابقة.
والحديث هنا عن تجربة الفنان المبدع وسام اللامي، الذي يعيش مغتربًا في أوروبا منذ سنوات. ولعل أول ما يلفت الانتباه في تجربته نجاحه في التحرر من هيمنة أستاذه الفنان الكبير إسماعيل فتاح الترك، الذي ظل تأثيره حاضرًا في تجارب كثير من تلامذته سنوات طويلة، ولم يتمكن عدد منهم من تجاوز هذا التأثير إلا بعد جهود فنية كبيرة.
وأقول ذلك استنادًا إلى ما ورد في سيرته من أنه تتلمذ على يد الترك، بل عمل مساعدًا له في عدد من المشاريع النحتية التي أنجزها، ومن أبرزها نصب الشهيد، الذي يُعد واحدًا من أهم النصب الفنية في العراق. ومن هذه النقطة تحديدًا، أي من تحرره من تأثير أستاذه، انطلق اللامي نحو آفاق أرحب، فتمكن من بناء بصمته الخاصة عبر أكثر من مسار أسلوبي، في الرسم والنحت معًا، حتى غدت أعماله تحمل سمات شخصية واضحة تشير إليه، وظل يعمل على تطوير هذه البصمة وتأصيلها من خلال منجزه الفني، الذي أتيح لنا الاطلاع على جانب مهم منه في معارضه الشخصية والجماعية.
يعمل كثير من الفنانين في مجالي الرسم والنحت معًا، غير أنهم ينصرفون، في مراحل معينة، إلى أحدهما على حساب الآخر، ولا سيما النحت، لما ينطوي عليه من تحدٍّ تقني ومادي كبير. وأقول ذلك استنادًا إلى متابعتي لتجارب عدد من الفنانين وقربي منهم. غير أن هذا الانصراف لا يدوم طويلًا، إذ يعودون إلى الرسم بوصفه مجالًا للتنويع التعبيري، أو استجابة لحاجات نفسية وجمالية تفرضها لحظة الإبداع، فينجزون أعمالًا تصويرية تمتلك القدر نفسه من الكفاءة الأدائية.
أما في تجربة وسام اللامي، فإن الأمر يبدو مختلفًا؛ فهو لم يتخلَّ يومًا عن إغراء الطين وسحره، كما لم يهجر الفرشاة وما تمنحه من حرية في بناء السطح التصويري. ولذلك ظل يعمل في المسارين معًا، متنقلًا بين الكتلة والسطح، وبين الفضاء النحتي والفضاء التصويري، بالقدر نفسه من الشغف والاقتدار، حتى غدا حضوره في المجالين متوازنًا، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
تكتب النحاتة والرسامة الأمريكية ميشيل كولير:
“أبحث عن تلك الحافة التي يغادر عندها الوعي الأحكام المسبقة. أسعى إلى بلوغ تلك اللحظة في العملية الإبداعية حين أثق بذاتي الداخلية ثقة كاملة. الطين هو الوسيط الذي يستوعب طريقتي في العمل، إذ يمكن مده وضغطه وليّه وتمزيقه ليطابق الصورة التي تتشكل في مخيلتي. أعمل على الحفاظ على سيولة اللوح الطيني أثناء تشكيله ليعبّر عن الهيئة الإنسانية، فالطين يحتفظ بذاكرة كل لمسة، وكل قطعة تحفظ بأمانة آثار ولادتها وتكوينها.”
ولعل هذا القول ينطبق، بدرجات متفاوتة، على معظم النحاتين، لأن الطين، بما يمتلكه من مرونة ومطاوعية، يظل أكثر المواد قدرة على الاستجابة لرؤية الفنان، حتى يكاد سحره لا يضاهيه أي وسيط نحتي آخر. ولا يختلف وسام اللامي عن هذا التصور؛ فاشتغاله على الجسد الإنساني يمنحه مساحة واسعة لاستثمار إمكانات الطين التعبيرية. ومع أننا لا نتحدث هنا عن الجسد بمعناه التشريحي المألوف، فإن ذلك لا ينتقص من حضوره، بل يمنح الفنان حرية أكبر في إعادة بنائه وفق رؤيته الفكرية والجمالية، بما يتيح له تجسيد أفكاره بأقصى درجات الحرية.
وبإمكاننا أن نضع أعمال اللامي النحتية ضمن ما يمكن تسميته بـ«اللامكتمل القصدي»، لأنه يتعمد الابتعاد عن التشريح الأكاديمي المألوف، تاركًا للمتلقي مهمة استكمال ما غاب عن الشكل. ومن هنا، تنجح أعماله في إثارة الأسئلة الوجودية، كما تستفز الوعي الجمالي للبحث عن الصورة الكاملة لذلك اللامكتمل، فتتعدد التأويلات وتتشعب القراءات. وهذا ما يمنح التجربة تماسكها، لأنها ترتكز على الأسئلة الفلسفية أكثر من ارتكازها على المهارة التقنية وحدها، إذ تتحول الكتلة إلى أداة للتفكير بقدر ما هي موضوع للرؤية.
وتبدو معظم أعماله وكأنها آثار باقية للوجود؛ فالجسد فيها لا يُقدَّم بوصفه بنية بيولوجية، وإنما بوصفه حاملًا للذاكرة والزمن. ومن هنا يضع الفنان المتلقي أمام مفارقة تجمع بين الطبيعي والمصنوع، وبين الحي والجامد، كما في العملين اللذين يدمج فيهما جذع الشجرة بالحذاء النسائي، فتتجسد المفارقة بأوضح صورها. فالجذع يحتفظ بآثار الطبيعة كلها: بخشونته، وعقده، وتشققات سطحه، وآثار القطع التي تشير إلى تاريخ طويل من النمو والتعرية، في حين يمثل الحذاء منتجًا ثقافيًا خالصًا، صُمِّم ليعيد تشكيل الجسد وفق معايير اجتماعية وجمالية.
ولا يبدو الحذاء هنا عنصرًا مكمّلًا للجذع، بقدر ما يبدو وكأنه يقيده أو يعيد تعريفه. وهكذا يتحول العمل إلى استعارة بصرية للعلاقة بين الطبيعة والثقافة، أو بين الحرية والقيد. فلم يعد الجذع شجرة، كما لم يعد الحذاء يؤدي وظيفته المعتادة، بل فقد كل منهما هويته الأولى ليولدا معًا كيانًا ثالثًا مشحونًا بالتوتر والدلالات.
أما العمل الثالث، الذي يصور جسدًا أنثويًا مستلقيًا بلا رأس، فإنه ينتمي إلى رؤية مختلفة، وإن ظل يحمل الهاجس ذاته. فحذف الرأس لا يمثل نقصًا تشريحيًا، وإنما ينقل مركز التعبير من الوجه إلى الجسد بأكمله، لتصبح الانحناءات، وثقل الكتلة، والعلاقة بين الكتل والفراغات، هي اللغة الأساسية للعمل. وهكذا يتحول الجسد من كيان فردي إلى حالة إنسانية عامة، يغدو فيها رمزًا لهشاشة الوجود.
وقد نجح الفنان في خلق إيقاع بصري يفيض بالحركة، يجعل العين تنتقل بين الكتل، فتولد حركة داخلية رغم السكون الظاهر. وتبدو الأعمال، في مجملها، وكأنها تأمل في هشاشة الإنسان وعلاقته بالطبيعة والزمن. فهو لا يقدم أشكالًا مكتملة، بل يترك نقصها مفتوحًا أمام تأويل المتلقي، ولذلك تكمن قوة هذه الأعمال في أنها لا تفرض معنى واحدًا، وإنما تتيح، مع كل مشاهدة، قراءة جديدة. ومن هنا تستمد التجربة بعدها الفلسفي والجمالي، متجاوزة حدود المهارة التقنية إلى مساءلة الوجود نفسه.
ولا تختلف أعمال اللامي التصويرية عن أعماله النحتية من حيث المرجعيات الفكرية والجمالية، إذ تنطلق من الرؤية ذاتها التي تؤسس مشروعه الفني. فهي أعمال تتحرك في منطقة وسطى بين التعبيرية والتجريد، حيث يتراجع الشكل تدريجيًا لمصلحة الحركة، وكأن الفنان يترجم بصريًا مقولة بول كلي الشهيرة:
«الخط نقطة خرجت في نزهة.»
فالخطوط هنا لا ترسم أشكالًا فحسب، وإنما تكشف عن حركة داخلية كامنة، تستنبط ديناميكيتها من السكون الظاهر. وهي ليست خطوطًا واضحة، بل مسارات بصرية تتولد من توتر الكتل، وتدفع العين إلى متابعة إيقاعها داخل فضاء اللوحة.
ويؤكد اللامي، من خلال هذه الأعمال، اقتداره الأدائي عبر اشتغاله على اللونين الأسود والأبيض، من دون أن يشعر المتلقي بأي افتقار إلى ثراء اللون. فالأسود لا يحضر بوصفه لونًا فحسب، بل بوصفه حالة نفسية ووجودية، فيما يتحول الأبيض إلى فضاء للتنفس البصري، لا إلى مجرد خلفية محايدة. ومن خلال العلاقة الدقيقة بينهما، يستثمر الفنان الفراغات المتولدة بين الكتل، وكأنه ينقل إلى اللوحة إحدى أهم خصائص النحت، وهي العلاقة الجدلية بين الكتلة والفراغ، ولكن بأدوات الرسم وإمكاناته.
وفي أعماله التي تتناول الوجوه، لا تواجهنا الشخصيات بنظراتها، بل تبدو غارقة في عوالمها الداخلية، ومحاصرة بكتل سوداء كثيفة تجعلها أقرب إلى أطياف منها إلى أجساد مكتملة. ومن خلال هذا الابتعاد عن التشخيص المباشر، لا يسعى الفنان إلى تصوير الإنسان كما يُرى، وإنما كما يُستشعر. وهنا تقترب تجربته من تصور موريس ميرلو-بونتي للجسد بوصفه وسيلة للإدراك، لا مجرد موضوع للرؤية، إذ يصبح الجسد مجالًا تتجسد فيه الخبرة الإنسانية، أكثر من كونه هيئة تشريحية.
وتعود الهشاشة التي لمسناها في أعماله النحتية لتظهر هنا أيضًا، ولكن بصياغة تصويرية مختلفة. فالطبقات اللونية المتراكمة تجعل السطوح تبدو وكأنها تعرضت لتعرية الزمن، فتغدو اللوحة حاملة لآثار الذاكرة، لا مجرد سطح مصور. وهكذا يحيلنا الفنان إلى فكرة الأثر بوصفه ما يتبقى من الوجود، لا بوصفه تسجيلًا للماضي، وإنما علامة على مرور الزمن واستمراره داخل المادة نفسها.
ومن هنا تتكشف وحدة مشروع وسام اللامي؛ فالرسم والنحت لا يمثلان لديه مسارين منفصلين، بل وجهين لرؤية واحدة، تنطلق من الجسد لتصل إلى الوجود، ومن الكتلة إلى الحركة، ومن المادة إلى الذاكرة. إنها تجربة تسعى إلى استنباط الحركة من السكون، وإلى الكشف عن الطاقة الكامنة في الأشكال، لتمنح المتلقي فرصة المشاركة في بناء المعنى، لا الاكتفاء بتلقيه.









