ثقافية

خواطــر شاعــــر مـــن كنــــده

الدكتور عبد الله باشراحيل

1

ربما كانت تود أن تكون مثل الأديبة اللبنانية مي زيادة التي احبت العيش بمصر .. تلك التي احبها العقاد والرافعي وغيرهما من الادباء الذين كانوا يختلفون الى مجلسها أدباء وعشاقا لها ولادبها الجم .

كانت مي زيادة إمرأة ذات حسن وبهاء ومن الأدباء الفاضلات احتبست عمرها في رهبانية عن الزواج .. اعتنت بفن أدب الرسائل في عصر النهضة الادبية بمصر .. غادرت الى لبنان في أواخر عمرها تعانقها الوحدة ويروى أنها أدخلت احدى المصحات النفسية الى أن ماتت فيها .

لعل مي زيادة عفت عن الزواج إما لسر أفضى بها إلى الرحيل عن فطرتها الأنثوية ..أو لعل عارضا خلقيا منعها من الارتباط بزوج ..أو لعلها رأت أن الطموح والادب اجمل وأحب الى نفسها من الأسرة والأبناء.. لعل شيئا ما نجهله عن حياة أديبة أحبت أن تفرق بين خصوصية الحياة وعموميتها إسرارا وإعلانا وما يهمنا في هذا المقام خلقها الفاضل المتعاظم على الزمان والمكان وأدبها الذي بات حديث الماضي والحاضر والمستقبل . كان يروي لي عنها اصدقائي الأدباء العلماء الاستاذ عامر العقاد شقيق الاستاذ عباس العقاد والاستاذ الدكتور محمد عبدالنعم خفاجي وهو عالم كبير من علماء البيان والفقه الأسلامي وهو من مجايلي عباس العقاد والأستاذ الدكتور عبد العزيز شرف استاذ الادب والمشرف على صفحة الثقافة بجريدة الأهرام بعد الاستاذ الأديب ثروت أباظه رحمهم الله بأنها كانت على وضع كريم في حياتها . إجتمعت فيها مواهب الجمال والعفة والفن .

وأتساءل هل هي تتقمص شخصية مي زيادة؟ أو أنها أنطبعت مثلها في تكوينها النفسي والأخلاقي والأدبي لتحتبس فكرها خالصا لوجه الأدب والذوبان فيه للحد الذي يصبح هو شريك حياتها وهو اهلها وعالمها وكأنه يجري في أوردتها وشراينها دما سيالا تتغذى عليه روحها الطيبة . لعلها تكون كما أرادت هي لنفسها أو مايريده القدر منها ولها .. سيكون الزمان حفيا بها وشاهدا لها أو عليها بل ربما يكون من صناع مواهبها

2

قرأتها وكأنها عند جبل التوباد تبكي الحنين الى مضارب ليلى وقيس ومضارب عبس لم تشأ أن تغادر الصحراء والجمل أو أنها تعود بالخيال القهقرى حيث القفار والفدافد والجبال والسهول وهي تغترب في بلاد تتلون بحضارة العصر الحديث .. وهي لازالت تتشدق بحب الصيد وتجسد صورة الرعاء وهم بين البراري يرعون النعم والخرفان والماعز .. عدت بالخيال لأرى قبائل بكر وتغلب وربيعة ورأيت (عنيزة) إبنة عم امريء القيس وهي على الوجناء يعابثها وهي تقول له عقرت بعيري يامريء القيس فانزل) ….. تريده أن ينزل لكيلا يفتضح أمرها معه .. ثم أنني شاهدت الرعيان وشاهدت قوافل البدو الرحل وشاهدت كرم العربي حينها وهو يحتلب ضروع النعم ليسقي من لبنها الوافد الغريب والضليل والمعتر ..إن الذي أدهشني أن هناك من سكن الحضارة على رغم منه يريد للعصور الخوالي أن تعود يريد للخيمة والجمل وبيت الشعر بديلا عن المنازل الاسمنتيه .. هو أحساس لاتملك الا أن تحترمه في ميول البعض .. حين يرى ثمن الحضارة باهظا على النفوس الشفافة الوادعة القانعة بحب الخبز واللبن وتميرات تسد الأود وتطفي حرارة الجوع .. قلت في نفسي نعم سيعود كل شيء الى طبيعة عهده ولكن بعد دهور مغرقة في الازمنة .. وتساءلت ما هو الدافع الى عشق البداوة في زمن الحضارة وما الدافع لعشق الحضارة في عصر الحضارة؟ وشتان بين عصرين لاتقابل حسي بينهما .. قلت : ربما يكون سراعظيما في النفس يجتذبها الى الزهادة في كل شيء لتعيش على أطلال خيالات عصور لم نكن نحن اهلها ..كم هو جميل أن تسكننا البداواة بقيمها النبيلة لابهمجيتها المقيتة .. والأجمل أن لانشط بالخيال أكثر وننعم بحقائق الواقع ونعيشه مع احترامنا وامتثالنا لقيم الدين والجمال في عصر نحن اهله وسكانه..و يظل المهيمن على النفس أمال تتصارع مع الانا لتحسب ذلك ضمن توثيق الأنتماء العرقي وتأكيد الهوية أكثر من الغير لتكون البدواة شرعنة خالصة للتميز عمن ضلت به العروق والانساب وقادته الأسباب ليكون وليدا على أرض تعده من الأغراب و لم يكن عربيا ولا من الأعراب .. وستبقى البداوة في الاساطير مثل بداوة الهنود الحمر في امريكا مستهجنة يسخر بها مخرجو افلام هليوود حين ترسم الحضارة ألقا يبهرنا بالجديد حتى لانتخلف عن عصرنا بإرادتنا ونكون في مهب الريح فلا نحن في( العليق ولا اللجام ) كما يقول المتنبي رحمه الله . وسلم لي على البدو والبداوة إن وجدت في هذا العصر إلا في سنة الغارقين في خيال البداوة . الذين لايستعملون الكهرباء والتكييف والسيارة والطيارة والعطور التى لولاها لازكمت البداوة أنوف العصر برائحة الجهل الذي استوعب (داحس والغبراء ) و(البسوس) وسلام على ابن خلدون في الاولين والاخرين عندما صنف العرب والأعراب .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان