ثقافة شعبية

خير… ونعمة…. ودولة

ووصيفاتها السمر اللاتي لا يخلو بعضهن من وسامة أو جمال بل منهن اللواتي يطلق عليهن (المولدات) على الرغم من لون بشرتهن السمراء لهن عيون خضر وشعر أشقر.. يتبعنها كظلها.. هناك أقوال متواترة تفيد أن بعضهن من محظيات الشيخ بعلمها أو دون علمها.. لكنها تتغاضى.. لأنها وعلى ما يقال تتصرف على ذات النحو.ففي ليال عابقة برائحة الطلع حين يتمطى جسدها بعد أن يسرف الشيخ في الغياب او السفر أو الانكفاء عنها أو الولع بأخرى.. وتشتعل عندها جذوة الجسد في ليال يغيب فيها القمر.وينحسر الضجيج وينشغل عنها الجميع.. تستدعي أكثرهم صحةوفحولة..وتختاره فتيا أمرد بلون الكحل وبخفة التيس… ليمسد جسدها بيد كالأبنوس تغوص في متاهة من الزبد الرجراج… في فضاء طقس تفوح منه رائحة البخور القوية (يهمزها) بلغة ذلك الوقت..ويعمل لها مساجا بلغة عصرنا الحالي… وحين يتوغل في ثنايا الجسد وتضاريسه.. بعد أن يغرقه بزيت الورد ويمسح ويمسح كأنه في طقس سري.. ورويدا رويدا تشتد قبضته تشنجا وارتعاشا على لدانة الجسد المشتعل بالحنين الى جسد آخر.. تتراسل الأجساد وتفح نداءات الرغبة وتتصاعد التأوهات. مع أبخرة اللذة الملونة في فضاء الغرفة المحكمة الإقفال والتي تحولت الى بحر هائج من التاهوات والفحيح يوغل في احتدامه حتى تتشظى النجوم وتتهاوى النيازك وتترنح المجرات ليعقبها صمت مطبق… فيسيل الليل انهارا من اللذة السحيقة على جسدين احدهما نير كالصبح والآخر حالك كالليل… هي الملكة في كل الحالات حتى في الحب والخطيئة..تفعل ما تشاء وتقول ما تشاء.. لا احد يملك عليها سلطانا ولا حول ولا قوة، قالت لنفسها سأستبدل هواء البيت الفاسد بهواء الخارج الطلق وخصصت هذا الضحى للتواصل مع رعيتها… وانطلق موكبها مهيبا فخما النساء يقابلنها بكل خشوع واحترام هذه تقول (فدوة غديتلج) وأخرى تقول (يا بعد طولي طولج) وثالثة تغمرها بحنان جارف وتقبل يدها وتقول (من عمري على عمرج)… وهي تتفضل عليهن بابتسامات متكلفة على الأغلب.. الموكب يتضخم وهي تتقدمه كعمود من نور يزيد من إشعاعه وصيفاتها السمر…الفضول يعتري الجميع ولا احد لا ينضم إلى هذا الموكب الاحتفالي… موكب الشيخة الفاتنة… حيثما تتجه يتجه ويكبر مع كل مجموعة من البيوت… ورأتها واقفة بباب خصها المصنوع من القصب والبردي..هي ذاتها (سنية) لم تتغير ملامحها كثيرا.. صحيح أنها صارت أجمل وأكثر امتلاء ووجها المدور يغمره الفرح والرضا كما يبدو..لكنها لم تتغير… بين رجليها طفل جميل بعمر 3 سنوات وعلى يديها طفلة عمرها اشهر… عرفتها عن بعد وصاحت… (ها ولج سنية ان شاء الله هالمرة حظك زين)..اجابتها سنية منطلقة الأسارير وصوتها يزغرد فرحا (خير…ونعمة…ودولة….بفضلك يا بعد أهلي”. وتقدمت لها وانحنت لتقبل يدها بقوة…سمع جميع من في الموكب صوت قبلتها… (يا بعد روحي..يا بعد أهلي..غديت فدوة لطولج) قالت الشيخة: ها سنية ان شاء الله مرتاحة…؟ قالتها وكأنها تشير إلى سر بينهما..فضحكت سنية بصوت عال…وقالت لها (وروح ابوج الزاجية يوميه يسكي الكاع… ولا يعدي ليلة…مريعهمريعه وروح ابوج……).. فضحكت الشيخة من القلب… بالله هاي الخير… زين والنعمة شني..؟.اجابتها سنية (رجلي الجديد زلمه زين هم فلاح وهم صايود ومعيشينا بنعمة)… ضحكت الشيخة مرة أخرى… وقالت لها زين (والدولة شني):- أجابت بسرعة (هذوله الدولة جبار هذا البين رجليه يسوه الدنيه وما بيها.. وجبره هاي البين اديه شوفيها شحلاتها).. استمرت الشيخة بالضحك… واستمرت سنية تلهج بالدعاء لها والثناء عليها.. وتقبل يدها بين الفينة والأخرى.. رجعت الشيخة إلى الوراء بذاكرتها الفارهة.. ولاح لها وجه سنية الصبية… القمحي الذي يحاكي سنابل الحقول وقت الحصاد.. حين جاءت لها (سنية)متوسلة متضرعة والدموع تهطل من عينيها… قبل خمس سنين جاءت بهذه الحالة.. لتحكي لها قصة حرمانها بل قصة حرمان الكثير من نساء الريف اللواتي يفرض عليهن الزواج من رجال لا يكونوا أكفاء لهن سواء من ناحية العمر أو مستوى الفاعلية الجسدية او العقلية.. فيقعن في هذا الفخ المخيف فخ الحرمان والوحدة والتعاسة والعيش مع أشخاص ليس بينهم وبينهن أي ترابط أو انسجام. والإطار العام لهذه الكارثة هو العشيرة وصلة القرابة والعرف السائد الذي لم يزل ساريا عند بعض العوائل ذات الأصول الريفية على وجه التحديد… قالت بصوت كالنحيب لها (صيهود) زوجي وابن عمي الذي زوجوني له قسرا. زوجوني له وأنا بعمر ابنته… زوجوني له بعد أن توفيت زوجته التي هي عمتي صيهود.. هذا فعلا (مصيهد) لا يهش ولا ينش.. خمس سنوات ولم يرفع ذيل ثوبي…خمس سنوات وكأني أنام بجانب عمود من خشب… أتقلب مثل المصروعة أصارع أحلامي وأجهد في ترويض رغبتي.. وجسدي موقد جمرا..وفتوتي تنتفض مثل لبوة.. وحينما يتحدثن صويحباتي عن حكايا الليل وتوقيتات الحب التي يمارسنها والحب الذي يمطره أزواجهن عليهن… أموت مع كل حكاية ولكني أعود لأحيا على أمل… على الأمل فقط..لكن الليالي تمر باردة.. باردة جدا.. كأن حياتي شتاء لا ينتهي..باردة ومعتمة وبلا أمل.. لا تطرزها نجوم.. ولا تضيئها أقمار.. ولا يزورها دفء… أحاول وأحاول.. ادلل وأداري وأتزين وأتغنج.. أنام عارية ربي ما خلقتني.. وأتقلب بأوضاع تستفز الموتى.. اتهارش معه… الكزه بمرفقي.. أتعمد الحديث بصوت عال أدوس على رجليه.. أوقظه نصف الليل بسبب او بدون سبب ولكن لاشيء يحدث، هو يشخر ويشخر حينما يكون في أحسن حالاته وكالميت في أحيان أخرى…وانا أتلظى كجذوة بمهب ريح… وتذكرت الشيخة توسلاتها الصادقة المثقلة بالدموع حينما راحت تقول لها…. (الله يخليك… أمشي عليج العباس خلصيني من صيهود.. ترضين اكضي عمري ويه رجال ميت… ترضين يروح شبابي هدر..هاي سنين وياه.. ما مرة جدح زناده)

تذكرت الشيخة كيف رق لها قلبها… وكيف تأثرت بصدق دعواها ودموعها.. فأمرت الشيخ الكبير (زوجها) أن يجبر صيهود على تطليقها..فأرسل له احد الخدم… وانتحى به ركنا قصيا من المضيف..وسأله السؤال الشائع عندهم.. هل تسقي أرضك يا صيهود..؟ عرف صيهود المغزى… فأطرق خجلا.. وراح ينبش الأرض بعود استله من الحصير القصبي.. اتريد الصدك محفوظ.. لا والله محفوظ لا اسقيها فأنا رجل كبير ومريض….فقال له الشيخ.. اذا لماذا تظلم شابة صغيرة من الحياة والخلفة… فأطرق الى الأرض ولم يرفع رأسه.. حتى سمع الشيخ يقول له آمرا… (صيهود طلكها انطيها زنامتها….) فقال له دون اعتراض (تؤمر محفوظ)..وطلقها صيهود اعترافا بعجزه…وتزوجت بعد اشهر… وأنجبت طفلين وهي تلهج بالدعاء للشيخ وللشيخة…وها هي الشيخة تقف أمامها بكل فتنتها وعزتها وجبروتها… فأشبعت يديها لثما مع سيل من دعوات لا تنقطع… (صحيح اللي تكولين… ومبين على وجهك.. انت (بخير… ونعمة… ودولة). 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان