ثقافة شعبية

رواية (تشرين) للروائية والشاعرة العراقية وفاء عبد الرزاق تعد واحدة من المحاولات السردية الجادة أ.د.رضا كامل الموسوي

بعد أن أنجزت ترجمة رواية (سفينة نوح الفضائية) للروائي والاعلامي صادق الجمل سأشرع هذا الأسبوع وبعون من الله، بترجمة رواية (تشرين) للصديقة الرائعة وفاء عبد الرزاق، فرواية (تشرين) للروائية والشاعرة العراقية وفاء عبد الرزاق تعد واحدة من المحاولات السردية الجادة لتخليد لحظة مفصلية في الوعي العراقي المعاصر، غير أن أهميتها لا تنبع من تناولها احتجاجات تشرين بوصفها حدثا سياسيا فحسب، بل من قدرتها على تحويل ذلك الحدث إلى تجربة إنسانية وفلسفية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

منذ الصفحات الأولى لا يدخل القارئ إلى فضاء الواقعية التسجيلية المعتادة، بل يجد نفسه أمام عالم تتجاور فيه الذاكرة مع الهذيان، والحلم مع الواقع، والحب مع الموت. فالرواية تبني عالمها عبر شخصية (سلوان) التي تتجاوز كونها شخصية روائية لتصبح تمثيلا رمزيا للمثقف العراقي المعذب، وللإنسان الذي وجد نفسه محاصرا بين الاستبداد والعنف والخيبة الوطنية.

تعتمد الكاتبة بنية سردية غير خطية، إذ تتشظى الأزمنة وتتداخل الذكريات مع الحاضر، فتتحول الرواية إلى ما يشبه تيارا متدفقا من الوعي.

 ومن خلال هذا البناء تتكشف طبقات متعددة من التجربة العراقية: الطفولة، الحب، السجن، التعذيب، الثورة، والبحث المستمر عن معنى للحياة وسط الخراب.

ومن أبرز عناصر الرواية شخصية (سعدة) التي لا تظهر بوصفها حبيبة فحسب، بل بوصفها رمزا للحياة والوطن والبراءة المفقودة. فهي الحضور الذي يقاوم به البطل قسوة السجن ووحشية الموت، والذاكرة التي تمنحه القدرة على الاستمرار في مواجهة العدم. ولهذا تبدو العلاقة بين سلوان وسعدة أقرب إلى علاقة وجودية منها إلى قصة حب تقليدية.

أما الموت فيمثل المحور العميق الذي تنتظم حوله معظم أحداث الرواية. فالموت ليس نهاية للحياة بقدر ما هو حضور دائم يرافق الشخصيات ويشكل رؤيتها للعالم. وتتجسد هذه الفكرة عبر الرموز المتكررة وصور الجثث والسجون والمشارح والشهداء، لتتحول الرواية إلى تأمل طويل في معنى الفناء ومعنى المقاومة في آن واحد.

سياسيا، تقدم الرواية موقفا نقديا واضحا من الفساد والطائفية والعنف والقمع، لكنها تتجنب في معظم الأحيان المباشرة الخطابية، إذ تدمج رؤيتها الفكرية داخل النسيج السردي والشخصيات والأحداث.

 وهنا تكمن إحدى نقاط قوتها الأساسية، لأنها تجعل الموقف السياسي جزءا من التجربة الإنسانية لا خطابا منفصلاً عنها.

أما على مستوى اللغة، فإن الرواية تكشف بوضوح عن خلفية مؤلفتها الشعرية. فاللغة مشبعة بالصور والاستعارات والإيقاع الداخلي، الأمر الذي يمنح النص بعدا جماليا واضحا، وإن كان يؤدي أحيانا إلى طغيان الشعرية على السرد. ومع ذلك تبقى هذه السمة جزءا من هوية الرواية وأحد أبرز عناصر تميزها. إن (تشرين) ليست رواية عن الاحتجاجات فقط، بل هي رواية عن الإنسان العراقي وهو يحاول الدفاع عن الحب في زمن الموت، وعن الذاكرة في زمن النسيان، وعن الكرامة في زمن الانكسارات. ولهذا يمكن النظر إليها بوصفها نصا يجمع بين الرواية السياسية والرواية الوجودية والرواية الشعرية في آن واحد.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية للرواية تكمن في نجاحها في تحويل حدث تاريخي معاصر إلى سؤال إنساني مفتوح حول الحرية والعدالة والحب والمصير، وهو ما يجعلها عملا جديرا بالقراءة والترجمة والدراسة النقدية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان