ثقافة شعبية

دراسات في الشعر الشعبي (النعي نموذجا)

ولا يتعدی شعر الرثاء مدح الميت بالفضائل العربية المعروفة في الجاهلية و الاسلام، و وصف ما يشعر به الراثي من حزن شديد، و ما احس به الناس بعد فقدهم المرثى ، وقد يهدد الراثي اذا كان الميت قتيلا.

 لم يكن النعي وليد هذا العصر او من مبتكرات هذا الزمن، فلقد كانت المراة او الرجل في العصور الغابرة يكرران كلمات التوجع عند الفجيعة، وفاق لطم الوجه و اللدم علی الصدر و الشهيق والزفير و هي اذا ندبت ترفع صوتها مرة و تخفضه اخری تبعا لتوازن احساساتها و يتخلل كلماتها او حروفها نشيج و انقطاعات قصيرة كما تفعل المراة القروية في الارياف و البدوية  في الفلوات. والنعي هو الفن السامي الذي يحتفل بمخزون لغوي لا يستهان به  و يستند الی خلفية تراثية.

و للنعي نساء اشتهرن باجادة هذا النوع و برعن فيه.و قد اتسم هذا النوع من الشعر بالعاطفة الصادقة و الاحساس المرهف ففي البيت الاتي نستشف هذه الخصيصة البارزة:

راحت احلوگ و ظلت احلوگ 

او راحت احلوگ التطلع احگوگ

او ظلت احلوگ الما اتلوگ…..

في هذا البيت فضلا عن العاطفة الجياشة نری الناعي عمد الی تكرار كلمة(احلوگ) خمس مرات للحفاظ علی موسيقی‌البيت.و جاءت الموسيقی في خدمة العاطفة كما ان اللفظة المتكررة في البيت- اعني (احلوگ)- فيها مجاز جزء من كل وذلك لان الانسان لا يقدر علی مطالبة الحق الا بالحلق(الفم) ف(راحت احلوگ) يعني ذهبت الرجال الذين يطالبون بالحق. ومن يستمع الی البيت الاتي لاشك سيتأثر الی مدی بعيد لروعة التشبيه و جمال  التعبير:

گلبي مثل زراع  ديم

يكرب صبخ و يناطر الغيم 

منهو اليساعدني علی الظيم…..

فقد شبه قلبه بالذي يزرع علی المطر في ارض قاحلة لا تصلح للزراعة فيبقی ينتظر هطول المطر.

اشكثر برباك يا يمه تعبيت

و ابذيچ الليالي يالولد سهريت

يا هيبتي او يا ونسة البيت….

فالبيت يبكي الاعين ويحرق القلوب و يفتن الاسماع، نسمعها تخاطب ابنها وتذكره بما عانت و سهرت في تربيته فالولد-كما جاء في البيت الاتي- ثمرة الكبد و قرة العين :

تعبت اعليك يا يمه التعب وين

يا ثمر چبدي او يا گرة العين

رايح يالولد يا يمه لاوين….

فالام لا تطيق موت ابنها و فلذة  كبدها فهي تريد ان تدخره لكبرها  عندما يدركها الموت:

ردتك نعشي علی چتفك تشيله

و اتراب الگبر بيدك تهيله

روحتك هاي يا يمه ثجيله……

هكذا ترسل الزفرات في فقد ولدها و لا تبتغي من وراء كل هذه المتاعب التي تحملتها في تربيته سوی حضوره في يوم مماتها فيحمل نعشها علی كتفه و يهيل تراب القبر. و ما اعمق و اصدق العاطفة في البيت الاتي:

ردت الولد ويه اليدفنون

ايحط النگاب اعله العيون

ايهابون منه او ما يضحكون…

من خلال دراستي لهذا النوع من الشعر وجدته حافلا بالاحساسات و الانفعالات و يضج بالمفردات الاصيلة التي كاد ان يقضی عليها.و القضية الاهم من ذلك ان هذا النوع من الشعر يقترب كثيرا من الهايكو الذي ظهرمؤخرا في الشعر العربي والهايكو القصيدة القصيرة المكثفة جدا، وقد بدأ في منتصف الستينيات مستفيدا من نمط الشعر الياباني، ومزج بين بناء الموروث ـ التوقيعات النثرية العباسية ـ ولغة الحياة اليومية الهامشية..جاء في تعريف قصيدة الهايكو (قصيدة الومضة او التوقيعة) بأنها ” هي قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة أو حالة واحدة يقوم عليها النص, تتكون من مفردات قليلة, و تتسم بالاختزالية, و لا يتعدى طول هذه القصيدة الجمل القليلة التي تتشكل بطريقة لمّاحة واضحة سريعة “.قصيدة الومضة  شأنها شأن فن النعي تتكون من ثلاثة اسطر كالبيت الاتي للشاعر احمد مطر:

ترك اللص لنا ملحوظة فوق السرير 

جاء فيها لعن الله الامير 

لم يدع شيئا لنا نسرقه الا الشخير

 

اذن النعاوي لها صلة وثيقة بالتراث و الحداثة في آن واحد وقد اقبلت علی جمعها و توثيقها لكي اقوم بدراستها و تحليلها في وقت مناسب ان شاء‌الله تعالی و في مايلي نورد بعض الابيات من النعي:

-عونه الگعد وياك عونه

او من الرمد طابن اعيونه 

انته الطبيب الينعتونه…

 -يمه راسي  اوجعاني گومي شديه

 او شد الغريبه ما مضه بيه 

شدچ ييمه  العافيه بيه…

 -يمه ردتك لحد ايام كبري 

او ردتك تنزلني ابگبري 

راح الولد عفيه اعله صبري…

 -اعيوني اعليك يا يمه تربي

و بفگد الولد ما شوف دربي

يروحي ارجوچ طول العمر حزني….

 -الينازه رادت ثلث صبيان

واحد ولد و اثنين خوان

ايوصلون حرمتهم للوطان…

 -روحي او روحك فرد معلاگ

و اثنينه ما نحمل افراگ

ضيم العليه اليوم مطباگ…

 -يمه حطيت حملي او گلگليته

او لا ظلي واحد ما نخيته

حته العليه العتب هم جربيته….

 -شفت الهوه حرك الباب 

حسبالي يا يمه جيت احباب 

ثاري الهوه و الباب چذاب

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان