أسباب اندلاع ثورة العشرين
( أرعش ما أرعش هذا آنه)
من أهم أسباب ثورة العشرين هي السياسة البريطانية التي عزمت على ( تهنيد العراق) وضمه لاحقا الى بريطانيا العظمى ، وشن حملة واسعة كما ذكرنا سالفا وربط العراق بمنظمة ( الكومنولث) ، والسياسات الجائرة من قبل المحتل البريطاني ، وامتهان الكرامة العراقية الممثلة بعدم احترام شيوخ العشائر ورجالات الدين وشرائح المجتمع الأخرى ، وقد استدعي الشيخ ( شعلان عناد ابو الجون) شيخ عشيرة ( بني حجيم) لمقر الإدارة المدنية في بغداد يوم 30 / 6 / 1920 ، ودار حديث غير مؤدب معه من قبل الحاكم المدني الذي أمر بتوقيفه وإرساله مخفورا الى سراي ( الرميثة) ، ومعلوم ان الشيخ شعلان كان رأسه يرتعش من مرض مصاب به ، فاعتقد الحاكم البريطاني أن شعلان كان خائفا منهم ويرتعش من خوفه ، وقال البريطاني له ( نحن لا نخاف من رجل خائف يرتعش) ، فأجابه شعلان ابو الجون وهو العارف بـ( الهوسات) العراقية والكاتب لها ( أرعش ما أرعش هذا آنه) ، ويقال ان شيخ عشيرة آخر اسمه الشيخ (شعلان العطية) هو من ارتجل هذه الأهزوجة (أرعش ما أرعش هذا آنه) ، ولا يصح لدي مما تقدم أن الأهزوجة ( أرعش ما أرعش) للشيخ شعلان العطية ودليلي لذلك لعدم وجود أهازيج أخرى تنسب له ، في حين أن الشيخ أبو الجون له أكثر من أهزوجة مسجلة باسمه سنوردها بمحلها ، وحينما علمت رجالات العشيرة بحبس شيخهم – شعلان ابو الجون – هبوا لنجدته واقتحموا السراي وأنقذوا شيخهم شعلان من سجنه بعد مقتل عدد من حراسه وهروب العدد الآخر ، وهناك من يقول أن شعلان ابو الجون لم يطلب لبغداد وإنما في الديوانية أو في الرميثة نفسها وقد انتدب عشرة شباب من عشيرته واقتحموا معتقله وخلص من سجانيه ، ويقال أيضا ان شعلان أبو الجون أوصى لعشيرته أن يرسلوا له عشر ليرات ذهبية ليتصرف بها وهو بسجنه هكذا ظن السجانون ما يريد ، وهنا تكمن ( الحسجة) العراقية ، أذ أن شعلان لم يريد العشر ليرات بل يريد عشرة أزلام شجعان ينتدبون لنجدته ، وهذا ما حصل ، فقال مهوال الظوالم
الدولة اتعرف عدهم خوش رسميات
ما تدري العراق اشبيه زلم آفات
من راحن فجر يمشن عشر ليرات
( فكوه وتمدد ناطوره)
أضف لأسباب ثورة العشرين الوعي الوطني والديني لرجالات العشائر ومما ينسب الى شعلان ابو الجون قوله هازجاً ( حل فرض الخامس
كوموله) .
أهازيج الثورة
لا أدخل بآليات صناعة الأهازيج وشرحها وسنذكر قسما مشهورا من هذه الأهازيج:
( بس لا يتعلك بأمريكا) ، ومفادها أن قسما من الشيوخ أرادوا أن يستنجدوا بقوات أميركية وحال الثوار دون تلك الرغبة ،ولكن ما حصل أن قوات الثوار تكبدت خسائر كبيرة في المعارك فقال مهوالهم ( كطان أحميد صرت آنه) ، وحميّد هذا سماك يرمي شباكه فاصطاد كما يظن سمكة كبيرة ( كطان) ولكنها كانت صخرة علقت بشباكه ، بمعنى أننا لن نحصل على النجدة الأميركية كصاحبهم (احميّد) .
( هز لندن ضاري وبجاها) ومعلوم أن الشيخ ضاري قتل القائد لجمن فقيلت له هذه الأهزوجة .
( الطوب أحسن لو مكواري)
أهزوجة مشهورة رددها الثوار عند قنطرة الرارنجية بعد أن غنم الثوار مدفعا بريطانيا بأسلحة بسيطة وهي الفؤوس و ( المكاوير مفردها مكوار) وهو عبارة عن عصا غليظة تنتهي بكتلة من القار المتماسك .
( بلشها ونام ابسردابه) قيلت بعد أن توفي أحد رؤساء القبائل وكانت الطائرات التي تشترك لأول مرة ضد الثوار لذا قيلت هذه الأهزوجة ودلالتها أن شيخهم تركهم وهم بحاجة له .
وقال مهوال آل ازيرج مخاطبا القائد البريطاني (هملتن) عندما أراد الهجوم على عشيرته
ذوله أفروخ الأزرج موش أهل لملوم
( يهاملتن) تأدب لا تزومش دوم
بالسنكي نريد أوياك نصفه اليوم
( رد لا تتدهده أبحلك آفه)
وخاطب المهوال محمد آل صيته عشيرته وهو يشاهد بنات آوى يأكلن جثث الجنود الانكليز
واوي الكوت جايع وأعتنه متمور
يكول أشهل الربيعه أشكثر بيها أكسور
واوي العارضيه أيكله من يا خور
( يتكلب وأهله يندهونه)
قاد الشخ شعلان أبو الجون عشيرته بمعركة العارضيات الشهيرة وهناك منطقة أخرى تسمى ( العارضيات) أيضا بين الأنبار والفلوجة ، تقدم شعلان عشائره هازجا
بيه خير ويجثر عسكر وريلات
أسواريه وبياده وفوك طيارات
أبعزم الله وعزم حيدر أبو الحملات
( يتوزع وطروح انشيله)
وقال أحد ( المهاويل) للعارضيات هذه
هاي العارضيه الها عالدول معتاد
كل جيش اليطبها ايصيح منها الداد
الفاله ابظهر الآمر وصلت البغداد
( مشكول الذمة اعله الفالة)
الشاعر يقصد أن الشخص الذي علقت ( الفالة) بظهره كأنه سرقها من صاحبها لذا أشكل ذمة سارق الفالة وهنا تكمن روعة ( الحسجة) العراقية .
ولعل من أجمل الأهازيج ما قاله شعلان أبو الجون مخاطبا أفراد عشيرته وهم يحرسون جسر (السوير) ويدافعون عنه ، وهو يعلم أن النسوة يخفن شن الهجوم المقابل الانكليزي ، وقد مثل القائد أبو الجون ( السوير) حسناء يجب عليه الدفاع عنها فقال
أكنللج يجامعة الحسن عيناج
فن كوكس وديلي أبعسكره يدناج
كون أهلج جفوج أحنه أبطرب جيناج
( خل يامن كلبج يرعيعه)
والرعيع : الخائف
( يالترعد بالجو هز غيري)
قالها الثوار بعد اسقاط طائرة بريطانية.
( تندار الدنيه وهذا آنه) هذه الأهزوجة للشيخ عبد الواحد الحاج سكر.
( حطوني ابحلكه وكلت آنه)
وللشاعرة ( افطيمه) من عشيرة الظوالم أهزوجة جميلة فحين عاد أخ لها من المعركة سألته عن ابنها فقال لها ( جن لا هزيتي ولوليتي) بمعنى أن ولدها قد استشهد فأجابته على الفور ( هزيت ولوليت الهذا) بمعنى أني ادخرته لهذا اليوم ، يوم القتال ، وامرأة أخرى شاعرة اسمها ( عفته بت أصويلح) أسر البريطانيون ولدها وخشيت من أن يتعذر من فعلته وحمله البندقية مع الثوار وهو مار عليها مقيدا أسمعته ( بس لا يتعذر موش آنه) بمعنى أني لست من ثار ضدكم ، فأجابها ولدها ( حطوني ابحلكه وكت آنه) أي أنني وضعوني بفم الموت ولم أعتذر عن فعلتي ، وأخرى توفي زوجها وهو من عشيرة أخرى فعادت مع وليدها لأبيها ، وتربى الولد مع أخواله وحين بلوغه مبلغ الرجال تفجرت ثورة العشرين ، فشق
على الشاب أن يقاتل مع أخواله ويترك أعمامه ولكن أمه أرغمته على البقاء مع أخواله حفاظا عليه كما تعتقد ، وحين تلاحمت قوات العشائر مع الانكليز وعرف الجميع ذلك قالت الأم مخاطبة ولدها المقاتل الغائب ( بس لا ما يتنخه ابخاله) ، وفعلا لم يستنجد ذلك الشاب بخاله واستأذنه باللحاق مع عشيرة أبيه وكانت له صولات تذكر ، وإحداهن هزجت لولدها المضرج بدمه وقد عض من طعنه من حنجرته فأرداه قتيلا وتوفي الشاب من طعنته فقالت أمه ( عفيه ابني الجاتل جتاله) ، وامرأة من العمارة هزجت لولدها الذي استشهد وهو بأيام عرسه الأولى فقالت ( عربيد اسم امك يالهيبة) .
وللشيخ عبد الواحد الحاج سكر هذه الأهزوجة:
جميع الناس مني واني ابيها
ومواجب سرت كثرة وآنه بيها
طيور أم العلا رفت وآنه بيها
( تندار الدنيه وهذا آنه)
وللشيخ سلمان العبطان من الخزاعل مجمل أهازيج مسجلة له:
( رد مالك ملعب ويانه)
و( للحلة ونتباصر بيها)
و ( بالسيك أمربع واوينه)
و( مشتهيه الكل يا عنانه)
و مما ينسب له ( ودوه يبلعنه وغص بينه)
وللشيخ ( منذر آل فرعون) هذه الأهزوجة
ما تنداس ثايتنه وحدنه
مبارد ما تحت بينه وحدنه
نشك أشكوك ونخيط وحدنه
( شك ما يتخيط شكينه)
ولم تكن الحلة الفيحاء بعيدة عن الأهازيج فهذا الشاعر الشيخ حسن العذاري يقول
( والموته ابكل عز نشريها)
وهناك أهازيج لم يصل منها الا قفلها ( الهوسة)
( شرناها وعيّت يا هيزة)
و ( هيزة) منطقة تلال شمال الناصرية حيث قبائل المنتفج ، يقول ( المهوال) إننا استشرنا منطقة هيزه بقبول المحتل فرفضت لذا قاتلنا لأجل رفضها هذا ، ويرى آخرون أن ( هيزه) هذه امرأة من عشائر المنتفج.
( من ذوله اتربع واوينه) قالها أحد ( المهاويل) أمام القائد البريطاني الذي زار العشيرة بعد ثورة العشرين وشاهد القائد كلاب القرية سمينة ومليئة باللحم ، بمعنى أن هذه الكلاب شبعت من جثث قتلاكم ، و ( اتربع) من الربيع لأن الأغنام يتوفر لها المرعى في الربيع ، وقرن المهوال الأغنام بالذئاب وبنات آوى .
( سوالك مسند تركينه)
قيلت أمام الملك فيصل بمعنى اننا من أوجد مملكتك ببنادقنا التركية .وهناك معركة سميت بمعركة المخفر شاركت فيها عشائر الظوالم وبني حجيم وعشائر آل زياد ضد الجيش البريطاني واستمرت يوما كاملا كللت بنجاح العشائر ودحر الجنود الانكليز وأهزج مهوالهم مخاطبا قائده بل شيخ عشيرته شعلان أبو الجون (يشعيّل يجري الشط هندو) وشعيّل تصغير لشعلان .









