حاوره :
عبد الرزاق حمّودي اللامي
في مطلع الستينيات وبالتحديد منطقة الكحلاء بمحافظة ميسان كانت بدايات الشاعر محمد جبار الساعدي ، الذي ترعرعت طفولته على ضفاف نهر العدل المتفرع من نهر دجلة، ليعيش حلمه الأول بين بساتين ناحية العدل ونخيلها الشامخ نشأ هاجسه ريفياً متجذراً من مائها العذب نابعاً من حب الأرض المعطاء والقيم العربية الأصيلة التي تعمقت بوجدانه الأدبي والثقافي النابع من التقاليد والأعراف العشائرية الشعبية المتأصلة في هذه المحافظة الجميلة .كان طموحه كبيراً وهو مايزال طالبا ً في مرحلته الابتدائية ، فسحر الطبيعة هناك اجبره أن يخوض مغامرات المعرفة والتطلع والولوج إلى اهوار الخير والعطاء ويتغنى بجمالها وأسماكها وطيورها ليجسد هذا الحب والجمال في كثير من كتاباته واشعاره. يتذكر بشكل ملفت للنظر لقاءه الأول عام /1952 بالشاعر الكبير (مظفر النواب) وذلك عند حضوره إلى مجلس فاتحة رفيقه (صاحب) في ناحية العدل الذي تم اغتياله على ضفة نهر العدل وبظروف غامضة … وقد رثاه النواب في قصيدة جميلة معبرة مطلعها :
(لاتفرح بدمنه لا يالقطاعي .. صويحب من يموت المنجل يداعي)
أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة العدل الابتدائية وبعدها انتقل مع والده إلى بغداد ليكمل دراسته المتوسطة والثانوية في ثانوية ابن الجوزي .. نشرت اغلب قصائده في الكثير من الصحف والمجلات العراقية والعربية إبان فترة السبعينيات والثمانينيات، وورد اسمه في كتاب معجم عظماء العراق الذي صدر عام/ 1969 مع مجموعة من الأدباء والشعراء والفنانين والمثقفين العراقيين أمثال ( محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وفائق حسن وجلال الحنفي) . وشخصيات عراقية كثيرة أخرى، وكذلك الشاعر والنساب محمد عبد الرضا اللامي .شارك في كثير من المهرجانات الشعرية داخل العراق وخارجه ونال جوائز تقديرية كثيرة منها جائزة الإبداع في مهرجان جرش في الأردن عام /1970. التقيته وسألته عن البداية فقال :
– أثناء دراستي المتوسطة تعرفت على الشاعر(سالم خالص) أبو ضاري، وتأثرت به كثيراً لكونه أستاذي في المدرسة ، وتوطت علاقتي به كثيراً نتيجة اهتمامه بي واحتضانه لمواهبي الأدبية الشعرية ومواصلته المستمرة في توجيهي ونصيحتي .. واثناء ذلك تواصلت وبشكل غير اعتيادي بكتابة الكثير من القصائد الشعرية التي نالت استحسان كل من يسمعها في المهرجانات والمناسبات والملتقيات الأدبية .. وبعد هذه الفترة تعرفت على الأديب الشاعر (زاهد محمد) الذي كان يقدم برنامج الشعر الشعبي من دار الإذاعة العراقية حيث أجرى معي عدة لقاءات وسجلت له العديد من القصائد الاجتماعية والغزلية .وخلال تواصلي بالإذاعة تعرفت على الكثير من الشعراء الشعبيين أمثال (عريان السيد خلف وكاظم إسماعيل الكاطع وكريم راضي العماري وخماس البصري وكاظم التميمي والمرحوم كاظم الرويعي وكريم محمد وعبد المنعم الجادر وشاكر السماوي وعادل العرداوي )، ونتيجة هذه اللقاءات المستمرة ، تولدت لدينا فكرة تأسيس جمعية الشعراء الشعبيين في العراق. وفعلا فقد قدمنا طلباً إلى وزارة الإعلام التي وافقت على تأسيس هذه الجمعية .
* ومن هم الشعراء المؤسسين لهذه الجمعية؟
-الشعراء الشعبيون الذين ساهموا وأسسوا هذه الجمعية هم (كاظم حميد النجار ومجيد لطيف القيسي وعبد الكريم الشيخلي وعيدان الجصاني ومحمد المحاويلي وسعدي المصور وأنا طبعاً)، وأصبحت في حينها مسؤولا عن إقامة الاماسي الشعرية لهذه الجمعية، بعدها أصدرت ديواني البكر (الأول)..(عذاب العاشقين) عام / 1964 الذي احتوى على سبعة عشرة قصيدة شعرية عاطفية وغزلية وقمت بطبعه على نفقتي الخاصة، بمطبعة خضير الاعظمي في شارع المتنبي وبعدد عشرين الف نسخة وبكلفة اجمالية (عشرين ديناراً فقط) .
*وبرنامج شعر وشعراء شعبيون ..ماذا عنه؟
-عملت مع زميلي الشاعر جعفر الأديب برنامج (شعر وشعراء شعبيون) ضمن البرنامج الزراعي الذي تعده وزارة الزراعة والذي كان يقدم من إذاعة بغداد واستمريت به أكثر من سنتين .. وكان لهذا البرنامج صدى واسع لدى كثير من المستمعين للإذاعة..
*وما حكايتك مع المنتديات والمقاهي الأدبية؟
-هي حكاية جميلة وطريفة ولها ذكريات لايمكن نسيانها، فقد أسست مقهى الأدب الشعبي في مدينة الثورة(الصدر حاليا) عام /1969 قطاع /11 وكانت ملتقى للأدباء والمثقفين من داخل وخارج المدينة وكان روادها كثير من الشعراء منهم (عريان السيد خلف وكريم راضي العماري وجودت التميمي وكريم العراقي وحميد الكعبي وكاظم إسماعيل الكاطع وكاظم لاله وخماس البصري والشيخ جلال الحنفي وآخرين لم تحضرني أسماؤهم) ، وكان لهذا المقهى دور بارز ونشاطاته متميزة ومتعددة لشعراء بغداد وكذلك المحافظات. ثم أسست (منتدى الشعر الشعبي) في المدينة عام/ 1972 والذي جاء مكملا لجمعية الشعراء الشعبيين وقد ترأسته لمدة عشر سنوات متتالية، وقد ضمت هيئته في عضويتها الشعراء (الزميل جبار فرحان وفالح حسون الدراجي وجاسم التميمي وماجد عودة وعباس عبد الحسن وجليل صبيح وسمير صبيح وغني البهادلي وناصر محسن الساري وغازي ثجيل وفلاح عسكر وجواد الحمراني وطالب الدراجي وهادي العكايشي وخضير هادي)، ومن هذا المنتدى انطلقت وانتعشت القصائد الشبابية من ناحية الصورة والموضوع وأصبحت جمعية الشعراء الشعبيين راعية لكل نشاطات المنتدى، وفي عام /1991 تم انتخاب هيئة جدية لجمعية الشعراء الشعبيين في العراق وقد ترأسها الشاعر محمد المحاويلي واستلمت نيابتها لثلاث دورات متتالية حتى عام /2003.
*(لو كانت الارواح تهدى .. هديتك روحي ) ، بماذا تذكرك هذه المقولة ؟
-عام /1969 وبمناسبة ولادة الامام علي (عليه السلام) ألقيت قصيدة جميلة ومتميزة في الحفل الديني الذي أقيم في جامع سيد حسين بمدينة الثورة وبحضور آية الله العظمى والمرجع الديني الكبير (سيد محسن الحكيم) قدس سره الشريف وولده السيد مهدي الحكيم وحضور جمهرة كبيرة من العلماء والأدباء والمثقفين ، وعند انتهائي من القاء القصيدة استقبلني سماحته وأمام أنظار الحاضرين قال لي بالحرف الواحد: (لوكانت الارواح تهدى .. لهديتك روحي) ، واثناء ذلك نزع السيد مهدي الحكيم ساعته اليدوية الشخصية وأهداها لي تعبيرا عن شكره وامتنانه.. وقد ثبت هذه الكلمات في ديواني المنشور (المصائب) الذي صدر عام/1974..
*لمن كتبت من المطربين ؟
-كتبت الكثير من الأغاني وللعديد من المطربين العراقيين مثل الفنانة مائدة نزهت كتبت لها (هبي يا دنيا ونسائم عافية ) والفنانة غادة سالم كتبت لها(حاصودة)، والمطرب الريفي عبادي العماري كتبت له قصيدة (فصلية) ، والفنان سعدون جابر كتبت له (مواعيد) والفنان قاسم السلطان سبع أغان وكذلك للفنانين رياض احمد ومظفر عبادي وفرج وهاب وعلي محمود العيساوي وصباح الخياط وآخرين لم تسعفني الذاكرة على ذكرهم. وكذلك كتبت عام/1992 اوبريت (الفجر الجديد) الذي أدته مجموعة من الفنانين منهم (ياس خضر وقاسم عبيد وقاسم إسماعيل).
*لديك ثلاثة دواوين مطبوعة ثم انقطعت بعد ذلك؟
-صحيح فديواني (عذاب العاشقين) صدر عام /1964 وديواني (المصائب) صدر عام 1972 وديوان (الناطور) صدر عام/1973، ولدي الآن ديوانان مخطوطان تحت الطبع الأول (الحسين في طريقه إلى كربلاء) يضم (30) قصيدة ، أما سبب هذا الانقطاع وبصراحة فهي الظروف المادية المكلفة للطبع والتي أصبحت أسعارها خيالية .
*آخر أعمالك ؟
-أقمت مع زملائي الشعراء (جبار فرحان وشذى حمود المعمر ونصير حسون) معرضا للاخوة العربية الكردية في اربيل ، وحضره رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان ، وهذا المعرض ترجم وحول القصائد الشعرية الى لوحات جدارية كبيرة(تشكيلية شعرية) علقت مقابل منطقة القلعة، وكان هذا المعرض احتفالا جماهيرياً واسعاً لاقى صدىً اعلامياً واسعاً واهتماماً متميزاً من قبل حكومة الاقليم.









