ثقافة شعبية

ديوان (جسر من طين) للشاعر الراحل رحيم الغالبي

من هنا اتناول شاعرا شعبيا معاصرا ، ترك بصمات مهمة في تجويد وتحديث الشعر الشعبي العراقي ، ويسمى بحق شاعر الومضة والمقطوعة الشعرية المكثفة ، وقد خرج في بعضها عن السياقات التقليدية للقصيدة الشعبية ، حيث حملت مقطوعاته أكثر من معنى حال سماعها او قراءتها والتمعن في بثها لتلك الاندهاشات الصادمة للذائقة .. إذن هو الشاعر المغفور له ، رحيم الغالبي في ديوانه الوحيد «جسر من طين» ، والذي حمل حلاوة الشعر وطراوة المعنى باوجز العبارات واقلها ، وهو يقدم الخلطة الشعرية المعروفة في الشعر العراقي سواء كان الفصيح او الشعبي أي خلطة الحبيب والوطن للشاعرات والحبيبة والوطن للشعراء  … يقول الشاعر الغالبي : 

(كال اعمى       

 ارسملي صورة ! اتعجبيت !!

من رسمت الصورة كلي فتشيت !

        كلت ليش! اشلون؟

   كلي الخير اجاك …

  بس غشيم وفلشت ..)

وكانت هذه مقدمة اضاءت قول الشاعر :

(احبك ياوطن .. مجروح

واحضنك ياوطن بالروح)

هذه اللازمة الوطنية عمقت الخلطة التي اشرنا لها ، وحينما نتواصل مع مقطوعة اخرى نجد انه يتعامل مع منطق الاشياء بوعي واضح وسردية حكائية :

(واحنة .. ازغار

 نرسم .. نكتب ..

عالحيطان احروف الطين 

واحد + واحد

بس انسينه انحط اثنين

وصارت .. غلطتنه امن اسنين)

وهذا تصريح في لافتة احتجاجية رفعها الشاعر في حوار ذاتي موضوعي ، يدعمها باخرى تحتج ضد الغربة والهجرة من الوطن ..

(وكايل امسير

اكول ايسن

بنات اهلي)

(طلع مكسور خاطر ..

من يسألونه)

 

واضاف الشاعر :

(طحت وانده لكل الناس

وبالناس تندهلي

.. لكن موكلها

لاجل الاخرة اصلي !!

اكول ايسن بنات اهلي 

واعلن فوك الماي ..

حايط طين ..

شنعلي ، وعشت وحدي

.. منارة خوف  بالغربة 

اريد اجفوف توصلي 

اظل غربة .. وبعد غربة

يبعد اهلي ..

وين الجنة ..؟

متنا وصار كل اسنينه انصلي

يبعد اهلي ..؟

ونتيجة لمآسي الحياة التي سببتها الانظمة السياسية الحاكمة ، والتي هي غير اهل لحكم العراق جعلت الشاعر بين مد وجزر ، بين اليأس والقنوط ، وبين التفاؤل والامل ، حيث اصطبغت مجمل اشعاره بمسحة الحزن ، رغم انه اضفى على البعض منها مسحة الطفولة والامل وحب الحياة ، كما في قصيدة «خالي النهر» يقول فيها :

(خالي النهر ..

اتريد افوجن

ليش .. ولك .. خالي النهر

حتى الحنين الجاي من اهلي

بجه وسولف على اعيوني السهر 

يابه لوطيفك عبر

بالضحكة اظل سكران)

هذه انفعالات الشاعر ، وهو يواجه النهر خاليا ، وهي كناية عن حالات القحط والتصحر في العلاقات الاجتماعية وقسوة النظام السياسي ، الذي ترك بصماته على مجمل الحياة العامة ، لذا جعل الجمال جمالا لذاته ..

(انت من تضحك حلو)

مقرونا بالعتب ..

(خالي النهر 

تريد افوجن؟

ليش ؟ !! ولك خالي النهر)

ويستمر الغالبي في التمسك باشراقات الجمال والحب (اريدنك جديد/ تضوي مصباح العصر /وانه حديقة تضوي بي) ، ثم برز في قصيدته (الهوى الاول) حب الحبيبة وحب الوطن ، وكأنه قدر يرافق الانسان وكل هذا ، فإن الغالبي يتلون مع الوان المغايرة وزحزحة الكلمات ومقابلتها من اجل اثارة الدهشة فمثلا يقول :

(بستيني ، بساتين 

ياطول النهر

على الشجرة من يلتاف)

ومن باب التشخيص والمبالغة لاظهار المعنى يسند صورة الى صورة اخرى ..

(بللت ثوبك الاخضر بالضحك

وانت تجرح كلبي المصوفر

عتاب / جنت ادك روحي 

اعله زادك بالملح

صار ماصخ عمري ..)

وكذلك  فعل في قصيدة (ورد النرجس) وهكذا تحقق الحلم عبر مسارات امانيه وسقوط الصنم …

(مليت المذلة ..

وطاحن متوني

يامحله العراق 

بغير زيتوني)

ثم بعد هذا يرسم المقاطع الشعرية كومضات او لقطات سينمائية مثلما فعل في قصيدة (سعادات) وتكون (لافتات باللون الاحمر) ، هي بمثابة التصريح  بالحب ولمن هو بكل تأكيد للوطن العراق وهو تأكيد اصرار في استقبال الحياة بورد البستان الاخضر ، لأن (نخلة انت صرت / من طيحوا صدام) ويتطلع الى الحياة المثالية التي تقوم على الايقاع المنسجم مع واقع الحال الى طموح انساني ولا تخلو قصائده من الادلجة والانحياز الى مبادئ العدل الانساني والوصول الى هذه ، جعل العامل الكادح هو سيد الانتاج وسيد العمل المثمر ويبقى الشاعر الغالبي مسكونا بافكار البسطاء الذين يحملون الحب لاسرهم ولوطنهم العراق (بس مفتون / من حب العراق الماكو مثله / ابد بالكون)  وقرن قصيدة (ماي من نهران اهلنه) بالشاعر الكبير مظفر النواب هذا الشاعر الذي  ناضل بحب لكل العراق من شماله الى جنوبه . 

/ ديوان (جسر من طين) الشاعر رحيم الغالبي / منشورات مجلة الشرارة / مطبعة دار الضياء / النجف الاشرف.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان