د. هاشم الفريجي
الشاعر كاظم إسماعيل اﻠﮔاطع انحدر من الجنوب وتلحف في بردي الاهوار ، وظلت رائحة الأرض تعبق بأجواء قصائده التي نظمها في مدينة الثورة ، كانت بداياته الشعرية الاولى ردود أفعال لفشل تجربة عاطفية إنسانية ، لفتى شاب كان يمارس رياضة كرة القدم ، فكتب أول قصيدة بعنوان [ انتهينه ] في 1967 ، والتي جعلته يقف إلى جانب الشعراء المعروفين في مدينة الثورة ، أمثال الشعراء عريان السيد خلف ، وجمعة ألحلفي ، وكريم العراقي ،. وقد سهل عليه التردد على مقهى (الميثاق) في مدينة الثورة ، في التعرف على الشعراء شاكر السماوي وعريان السيد خلف وجمعة الحلفي وآخرين.
تعلم كاظم إسماعيل الكاطع من مدرسة الحياة ، الكثير والكثير من القيم والمعاني الإنسانية التي جسدها في قصائده ، ومثله مثل كل الأدباء والشعراء والفنانين والمثقفين من ابناء الشعب العراقي ، من الديمقراطيين واليساريين و الوطنيين ، الذين حاصرتهم الدكتاتورية و تعرضوا إلى الملاحقة والاستجواب والاعتقال لإجبارهم على التخلي عن خياراتهم الفكرية والسياسية ولتعطيل ابداعهم الإنساني، و تم سحقهم تحت جنازير الإلة البربرية السلطوية التي لاترحم ، ولم تكتف هذه السلطات بمنعهم من مواصلة مسيرتهم الإبداعية الوجدانية وحسب ، بل دفعت البعض منهم إلى الانزواء بعيدا عن الاضواء، و قبل البعض الأخر الاستمرار في ممارسة لعبة (القط والفأر) على مضض من خلال الاختفاء والظهور والابتعاد عن اعين الفضوليين من اعوان النظام ، و ظل الجلادون ممسكين برقاب الكثيرين منهم يسحبونها ويشدونها متى شاؤوا، مواصلين اذلالهم وتحطيمهم لكل ماهو ادمي وانساني في تكوين الشخصية الوطنية العراقية .
وقد عملت الديكتاتورية و مؤسساتها على وضعهم على حافة الشظف والفاقة ،مما دفعهم إلى مزاولة مختلف الأعمال لضمان استمرار حياة عوائلهم واطفالهم ، وكانت عملية محاربة الإنسان العراقي في رزقه اليومي وقوته ، هي واحدة من أبشع الوسائل التي ورثتها الديكتاتورية الفاشية الصدامية من تجارب الأنظمة الدكتاتورية الشمولية ، ولم تتوان الة الإعلام الدكتاتورية الحربية ومؤوسساتها القمعية عن خنق ووأد اي نفس وطني عراقي ، مضيفة حصارا اخر للحصار الذي يتعرض له الوطن الشعب العراقي.
وعلى الرغم من كل هذه التجارب العامة المؤلمة والتجارب الشخصية المريرة التي عانى منها الشاعر كاظم إسماعيل اﻠﮔاطع ، الاانه ظل يطارد الحلم بين خيوط الدخان المتصاعدة من بيوت الفقراء الكادحين بمدينة الثورة المترامية الأطراف التي تحلم بغد أفضل كباقي المدن العراقية .
أصدر كاظم اسماعيل اﻠﮔاطع، ديوانه الاول في عام 1968 ،و كتب في تلك الفترة واحدة من أجمل قصائده الشعبية التي كانت بعنوان (لو نمشي طول العمر) والتي غناها الفنان سعدون جابر والمشهورة باسم ( اللي مضيع ذهب ) ، والتي عالج فيها الشاعر لأول مرة الغربة في مطلع السبعينيات فكتب يقول :
بالغربهْ شِفت التَعب وإتعلٌمت معناه
واتعلٌمت عالسهرْ .. والسكتةْ .. والصفناهْ
ذلٌيت ذلْ النهر من ينكَطع مجراهْ
وإعرفت كل شي إعرفتْ
حتى النخلْ ينحني لريح السفرْ من يجي
وجايب غريب إوياهْا، الله !! يا هالوطن شمسوي بيه الله
نيرانه مثل الثلجْ
كلما تدكْ عالضلعْ
أبرد وكَول اشاهْ
إللٌي إمضيع ذهب!!
بسوكَ الذهبْ يلكَــاهْ
وإللي مفاركْ محبْ …
يمكن سنةْ وينســاهْ
.. والطاح منٌه الكَلبْ
قلب اصطناعي إنلكًه ويشكٌلونه إهناهْ
بس إلي مضيع وطـنْ
وين الوطن يلكَاه ؟ ؟ ؟
في هذه القصيدة الشعبية التي انتقى شاعرنا بعناية كلماتها العامية البسيطة السهلة الفهم على المتلقي ،يحاول من خلالها الشاعر رسم العديد من الصور المتداخلة التي تمثل الحالة الوجدانية للمغترب وعملية ارتباطه بالوطن ، والتي تمثل ارتباط النهر بمجراه ، ومن ثم انتقل الشاعر إلى صورة أخرى تمثل هول الغربة وثقلها ، الذي يمثله انحناء النخيل لريح السفر ، وعبر هذه الصور نقلنا الشاعر كاظم إسماعيل من خلال تشبيهه الجميل إلى عالم الواقع واحداثه اليومية ، فتجده يشبه الالام واحزان الوطن ، بالنيران التي تشبه الثلج الذي يلامس اضلاعه فيرتجف من البرد ، ، هذه الصورة توضح علاقة الإنسان بهويته وعنوانه الوطني، لقد ابدع الشاعر اﻠﮔاطع في تصويره للحالة الإنسانية للمهاجرين والمغتربين العراقيين ، من خلال هذه الصور الشعرية الجميلة ليفك عبرها طلاسم الارتباط الشديد بين المواطن والوطن ،من خلال تعريف شعري مبسط للهوية الوطنية .
آه ياوطن يا خبز يالشارتك تكتل !!
آه يا وطن يا طفل ..
هِنياله منْ صاغ إلك نبض الكَلب جنجل!!
يا وطن .. زفة كَمر
ياعراق زَفة كَمر
ونجوم إلهْ اتهلهلْ !!
عذبني ما عذبك ..
إكتلتني ما أكتلك ..
طبع اليحب ينكتل موش اليحب يكتل
آه يا وطن يا جَذِر !!
والجذر هم بيه طبع ..
لو مات من العطش للوادي ماينزل !!
علمني إلـ فراك
أعزف لحن غربتي إبقيثارة أشواك
أسهر \ وحن\ وأنفعل
وأتمنى واشتاك
مامش مثل ديرتي
لو نمشي طول العمر !!!
ماﺘﻠﮔه مثل إعراﮔنا اعراگ !!!
لقد استخدم الشاعر الموروث الشعبي ووظفه ببراعة في قصيدته ، من خلال علاقة الجنجل بالطفل وهي عادة قديمة يعرفها ابناء الريف والمدينة معا ،و كذلك من خلال تصويره (الزفة) العرس ، و استعارته للكمر العريس الذي تهلهل له النجوم ، وهي لازمة شعبية يرددها الجنوبيون والعراقيون حين يزفون العريس إلى عروسه، بقولهم ( ونجومه يمك ﻴﮔﻤر ) ، وعبر هذه الصور السريعة ينقلك الشاعر بشكل سلس عبر بانوراما لصور جميلة ومؤلمة يتذكر فيها الشاعر الوطن الذي يظل مرتبطا به كارتباط الجذر بالارض ، وعلى الرغم من كل معانانته الإنسانية ولكنه لم يجد مثل عراقه ( الوطن) ، عراقا اخر بديلا عنه في المنافي والمهجر .
لقد حاول الشاعر إيصال صوته للمتلقي ليس من خلال تمسكه بالمفردات الشعبية القديمة، بقدر ما عمل على تطويع اللغة العامية المحكية في قصيدته المصورة التي افردت له مكانا خاصا في عالم الشعر الشعبي العراقي ، وظل يبحث في قاموس العامية الدارجة عن الكلمة المتداولة لكتابتها في قصائده ، لتصبح مفهومة لابناء المدينة الذين تصعب عليهم مفردات الحسجة القديمة.
وفي قصيدة (ملفته للإنتباه) ، يحاول الشاعر كاظم إسماعيل عبر هذا الوصف الجميل ، ان يحمل بيده ريشة الرسام الذي يرسم بانامله الرقيقة لوحة لحبيبته تعبر عن وجدانيته وعواطفه الإنسانية ، وهو من جديد يستعير التشبيه للجمال الالهي ، من خلال صورته الشعرية الجميلة (وبالرسم طول خلكَ بيــج الإلــه ) ، ثم ينتقل بنا أيضا انتقالة سريعة وهو يحمل كامرته ليصور المشاهد و يرصد حركة ابطاله على مسرح الإحداث، مقربا الصور تارة ويبعدها ترة أخرى( من بعيد انتي جميلة !! …. من قريب إنتي
جميلة !!)
مثل شبوي المسه بعطره وشذاه
حبـٌه.. حبـٌه وكَطرة .. كَطرة
وبالرسم طول خلكَ بيــج الإلــه
صور عيونج مواني
وبيها عاف الليل نومه وذب غطــاه
من بعيد إنتي جميلة !!
من قريب إنتي جميلة !!
واكَفه .. تمشين حلوة
والحلو وجهه يبين من كَفــاه
كتب الشاعر العديد من قصائد الرثاء ، فقد رثى زوجته زكية وابنه حيدر ، وصديقه الشاعر كاظم ألركابي، والفنان رياض احمد ، وتعتبر مرثية زوجته زكية واحدة من قصائده الإبداعية ، التي جاءت ضمن مجموعته الشعرية (غاب اﻠﮔﻤر ) 2004المهداة لزوجته زكية .. كتب في قصيدة
(القلب).. يقول :
ما ذكرتج الا والدمعات صبت
ما ذكرتج.. الا والسهلات صعبت
عود سيجتج بروحي
والمنايا اعليج مدري شلون طبت
وفي المقطع التالي من القصيدة يكتب الشاعر بلغة الرواي للحوار الذي دار بينه وبين الدفان المعفر بتراب القبور ، والمنبعثة منه رائحة الموت ، حيث يقول :
زكية احجيت قصتها على الدفان
لكن بالحجي الدفان ما صدك
يا ﮔاع النجف وشكثر بيج اسرار
نحسدهه الصبرهه اشعجب ما تزهگ
ممصدگ غرفتج تبقى كلها اتراب
واخشاب العرس تابوت الج تندگ
لقد جسد الشاعر عبر صوره الشعرية المكان بكل تفاصيله ، بتصويره عملية الدفن و تفاصيل المقبرة و تحملها أعباء الحفاظ على اسرار ساكنيها الذين يعدون بالملايين في مقبرة النجف الاشرف ، وبينما كان الشاعر يسير بين القبور في النجف الاشرف وهو يحمل نعش زوجته ، استعاد في مخيلته تفاصيل غرفتها في بغداد ، ليجد نفسه وسط غرفة زوجته التي يغطيها التراب بعد رحيلها عنه إلى العالم الاخر، واستطاع الشاعر عبر مخيلته الشعرية استعادة تفاصيل الصدمة وحالة الذهول التي انتابته برحيل زوجته ، وهي عملية معقدة استطاع الشاعر اﻠﮔاطع عبر تمكنه من أدواته توظيف العديد من الصور الشعرية المتميزة للخوض في تفاصيل هذه الحالة الإنسانية .
إن الشاعر في انتقالاته عبر تفاصيل المكان يجعلك تتصور انك تتابع لقطات من مسلسلل تلفزيوني يعرض عليك تفاصيل تشييع جنازة حيث تدخل إلى المقبرة لدفنها ، وهو يعرض لقطات لمكان ( المقبرة ) من أماكن مختلفة .
اما في مرثية ولده حيدر … والتي غناها المطرب العراقي الكبير فؤاد سالم ، تجد الشاعر كاظم إسماعيل ، يكتب واحدة من أجمل قصائده التي تجسد سعة مخيلته في تصوير موضوعة القصيدة ، والتي أسماها ( مرثية العام الدراسي …حيدر ) .
بده العام الدراسي وبدت الهموم
وبيتي عالمدارس بابه صاير
نسيت …وداعتك جيت اشتري هدوم
الك …ومحضر اقلام ودفاتر
مو تسمع قيام …وليش ماتكَوم؟
ومر اسمك ولا من كَال …حاضر
الشمس طلعت علينا…مو وكت نوم
وهم عدكم صبح يا اهل المكَابر
وهم عدكم …ضوه …وشباج …ونجوم
وهم ينطونكم واجب ال باجر ؟
عبر هذه الصور الشعرية يتجاهل الشاعر موت ولده حيدر، ويتعامل معه على انه حاضر معه يخاطبه ، ولكنه في الوقت نفسه يدرك ذلك الحلم ويرجع ثانية إلى ارض الواقع للقبول بهذه الحقيقة ، ولكنه يصر على أن ولده لم يبلغ لحضور المدرسة ، فيحمل اللوازم المدرسية إلى المقبرة ، ليتساءل عن حياة سكان المقابر وطبيعتها ، لقد كانت هذه قراءة سريالية لتفاصيل الموت وتداعياته وعلاقته بالزمان والمكان في قصيدة الشاعر كاظم إسماعيل .
الوالد بالوداع يصير مهموم …وانا اثنينهن والد وشاعر
خيلك طشرتني وجنت ملموم …وصارت طيحتي بين الحوافر
اذا عشرين يوم وما شفت نوم…شيظل بالحيل بالعشرة الاواخر ؟
فراش الفاتحة لو شفته ملموم …بنص كَلوبنا تلكَى الجوادر
يمنه المصبغة ..ودينه لهدوم
الحزنك مشترينه قماش حاضر
تمنيتك جرح …كلساع ملجوم
وتبات الليل بشفاف الخناجر
انا يا بوي من ونيت مالوم …نزل مني دمع يعمي النواظر
خدودي متعودة تتندى كل يوم …وتحب الماي خشبات الكَناطر
لمت الروح بس شفادني اللوم…شلحك ؟ وبسفينة الموت عابر
المنايا عالسطح وعيونها تحوم…عليك …ونزلتلك نسر كاسر
ستر الله نغط بديارنا البوم…اخذ عين الكَلادة وراح طاير
ديني حلاتك حلو الرسوم…بلكي انعشك دنيانا مظاهر
اظل كاظم وصبري وياي مكظوم…لوما هالخشب جوه الاظافر
اهن كاسين بهن كاس مسموم…خاف اغلط وبالمسموم اكاسر
بعنه البيت ريت البيت مهجوم….وريت اكثر بعد من هالخساير
تحب انت اللعب والكبر ملموم …شلون تحملت وشلون صابر؟
وليش من الهوى يابوي محروم …ونسمات الهوى تطيب الخاطر
من هو ؟ الشوفك صورة المعدوم…وليش تعلكَت ياشاب يا قاصر
ما ظنيت زرعي يروح فد يوم …وعصافير الحزن تگضي البيادر
من اكتب قصيدة تزيد الغيوم…ومن عيني الدمع يملي الدفاتر
يبقى بهالمطر ياشعر منظوم…نصاري الحسين وبحر وافر.









