كان الحضور بهيًا من الشعراء والأصدقاء والمهتمين بالشأن الادبي من شتى المحافظات العراقية .. تفاعلوا كثيرا مع مدة الفلم (20 ) دقيقة والذي أسماه القائمون عليه(النور).. تفاعلوا وهم يتطلعون بعيون ملؤها الحب والفخر لقراءات الشاعر الشباني (صوتا وصورة) ، ظهر الشباني بقامته الشامخة (كعادته)) وقرأ ( ردني ولو لافتة ) ورتلّ ( لو دره البلبل بواجية غنه يبلع لسانه ويموت ) و كانت ( ضفيرة ماي ) حاضرة مع شهادات واستذكارات مجموعة من النقاد والشعراء والاصدقاء من أبناء مدينته الديوانية … وغناء كالوجع والشجن من ( الشمس والبيت الاسمر ) ( دكيت باب الزمن ) طرقت ابواب القلوب المتلهفة لسماعها ( تانيت ) كانت الألفة تشع من عيون الحاضرين؛ وكانت الدموع خير ترجمة الموقف.. واستمرت الجلسةبتوالي قراءات (منتقاة)لقصائد الشباني قرأها الشاعر نوفل الصافي بمصاحبة عازف العود الفنان حامد سعيد…
ثلاث محطات
كان علي الشباني عظيما في كل شيء…هذا مابدأ به حديثه الكاتب والباحث (ثامر أمين ) الذي يعد من أقرب الاصدقاء الى الشاعر الراحل الشباني ..واضاف أمين من على المنصة في مداخلة قيّمة:ان محطات الشباني التي سأتوقف عندها بإيجاز هي ثلاث .أولاها ،المحطة الابداعية وماتميز به الشاعر من عدة مواهب لاتقتصر على الشعر بشقيه الفصيح والعامي، لابل شملت كتاباته من خلال نشاطات عديدة منها كتابة المقال الصحفي المميز.
المحطة الثانية، هي المحطة السياسية وتعرضه للسجن عام 1962 ليكون اصغر سجين في المعتقل انذاك،واعتقاله للمره الثانية بعد انقلاب شباط 1963 في سجن الحلةعلى اثر تهمته بـ(سرقة)آلة طابعة وقيامه بطبع بيانات تندد بجرائم الانقلابيين وتفضحهم ( وهي في الحقيقة لم تكن سرقة بل كانت (استعارة) فهناك من يؤكد بأنه اعادها وكتب في ورقة مرفقة معها ( شكرا تمت المهمة)!!..
التقى الشاعر( الشباني ) في السجن بالشاعر الكبير ( مظفر النواب ) وعدد كبير من الفنانيين والادباء والشخصيات الوطنيةالمحطه الثالثة، هي اجتماعية، فهي مجموعة من الذكريات والمواقف النبيلة مع اصدقائه وجهوده التي يشهد لها الجميع بها،اذ كان محبا للجميع ووفيا لهم .من تلك المواقف هو استذكاره لاصدقائه الشعراء واقامته لحفل تابيني في اربعينية الشاعر الكبير ( طارق ياسين ) وتحديه للمخاطر في ذلك الحين إذ كانت السلطة متشددة على هذا الجيل من الشعراء؛ الذين هددوا وحرضوا على الحكومات بقصائدهم ومواقفهم الوطنية التي يشهد بها العدو قبل الصديق، لم يستطع الشاعر ( الشباني ) من استحصال مكان عام لإقامة الحفل التأبيني فاضطر متحديا كل الظروف على إقامة حفل أربعينية (طارق ياسين ) في بيته في حي عدن ببغداد…ودعا اليها (المخلصين) و(المقربين) من الاصدقاء.واستطرد الكاتب والباحث ثامر أمين في الحديث عن الحياة الفنية والدراسية للشباني ؛ حيث أنه عمل في مجال الصحافة ( مجلة الف باء ) بمساعدة من صديقه الشاعر ( فاضل العزاوي ) الذي تعرف عليه اثناء مدة اعتقاله في سجن الحلة، وختم الباحث (الأمين) مداخلته بتقديمه الشكر الى الشاعر الكبير السيد عريان السيد خلف والاستاذ علاء الماجد لمساهمتهما وسعيهما الحثيث في انجاز طباعة كتاب يتحدث عن الشاعر الكبير الشباني بعنوان(سيرة وجع عراقي )…
دائما ننسى العظماء
( خذني كتلك ..
تشتهي الدنيا وكتها ترد لأمس..
روحي بستان العصر وحشة ومشت عنهه الشمس ).
بهذه القصيدة العظيمة(بستان العصر)من مجموعة أيام الشمس للشاعر الشباني، توجه الشاعر ( نوفل الصافي ) التي امتزجت قراءاته للقصيدة بألفة، مع لهفة وحنين نغمات عود العازف الشاب المبدع حامد سعيد، توجه الصافي بدعوة للشاعر الأستاذ ( رياض النعماني )، ليثري الجلسة بمداخلته التي لا تخلو من الوجع الشفيف.
المطر لم يمنع الشاعر ( رياض النعماني ) من القدوم من مدينة الحي في واسط الى بغداد، ليقف وقفة وفاء لصديقه ورفيقه بدأ مداخلته باستذكار جيل من طيور الشعر الراحلة ( ذياب كزار، وطارق ياسين ، وعزيز السماوي، شاكر السماوي ….. وغيرهم )معاتبا بعضا من أصدقاء ( الشباني ) لعدم الحضور وقدم العذرعن الشاعر ( ناظم السماوي ) الذي كان غارقا بهموم الوطن والمطر الذي اجتاح داره وقلبه حزنا وأسفا لعدم قدرته على حضور الأمسية..
واستذكر الشاعر النعماني مواقف ( الشاعر علي الشباني ) وخص منها؛ مشاركته في مهرجان الشعر الشعبي الأول في الناصرية عام 1969 والصدى الجميل الذي تركته قصيدة ( خساره ) … وأيضا مشاركته الشجاعة عام 1972 في أربعينية الأستاذ المعلم ( لطيف حسين):
الحرف جتال..أموتن غبشه ثوبي تراب..
عشب روحي صبر عالباب..
أموتن سكته كلبي كتاب
واليقره الكلب يعمه
ياريتك تخلصني..
الحزن مثل الخبز مثل القميص
الشمس مثل الناس من يثكل حزنها بروحي واسكت هم
ياريتك تعتني من السما للماي وأنبت طير فوك الدم
أثنى الشاعر ( النعماني ) على تجربة بعض الشعراء الشباب وحرص على ان يكون الشاعر الشاب مطلعا على أعمال الأجيال التي سبقته وخصوصا الشاعر ( الشباني ) و (مظفر النواب ) وغيرهم ممن أثروا الساحة الشعرية والفكرية بدرر مخلدة .
ولفت النعماني الى أن أكثر ما شده في شعر ( الشباني ) هو التماسك والتكثيف الصوري واللغة العالية، التأملية داخل النص نعم فالشعر ( تأمل الخالق الموجود بالأنسان ) ختم ( النعماني ) بعتب آخر الى أصحاب القرار بقوله : لا يمكن لأمة أن تنسى مبدعيها إلا نحن فـ ( نحن دائما ننسى العظماء ) ..
براءة
قبل نهاية الجلسة تطرق الشاعر ( نوفل الصافي ) لعدة جوانب من حياة ( الشباني ) منها عدم إعلانه البراءة من الحزب الشيوعي التي هي عبارة عن ورقة (روتينية) أو اقرار خطي تقدم للنظام يذكر فيها المتهم (حينها) بالشيوعية، البراءة من الحزب الشيوعي العراقي، وفضّل الشاعر الكبير الشباني البقاء في السجن لسنوات خمس على أن يكتب هذا الاقرار (المخزي)…
كذلك تحدث عن منجزه الثر وما طبع له من مجموعات أولاها ( خطوات على الماء ) وهي مجموعة شعرية مشتركة مع الشاعرين طارق ياسين وعزيز السماوي عام 1970.
( النار في المحبة ) مجموعة شعرية باللغة الفصحى صدرت عام 1997 .
( الشمس ) ديوان شعري عامي 2001 .
( النار طعم الأرض ) مجموعة شعرية باللغة الفصحى عام 2002 .
( دفاتر عراقية ) ملحمة شعرية باللغة الفصحى عام 2005 .
( هذا التراب المر حبيبي ) ديوان شعر شعبي عام 2011 .
وكان مسك الختام مطر من مقطوعة للشاعر الشباني :
( المطر بالليل دك الباب دك ..
دكبروحي ليل وباب..
فرشني تراب للفرحة فرشني تراب
خضر ياحزن يتراب)..









