ولا تخلو منها أية ثقافة، إذ نجدها تعكس مشاعر الشعوب على اختلاف طبقاتها وانتماءاتها وتجسد أفكارها وتصوراتها وعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها ومعظم مظاهر حياتها، في صورة حية وفي دلالة إنسانية شاملة، فهي بذلك عصارة حكمة الشعوب وذاكرتها. وتتسم الأمثال بسرعة انتشارها وتداولها من جيل إلى جيل، وانتقالها من لغة إلى أخرى عبر الأزمنة والأمكنة، بالإضافة إلى إيجاز نصها وجمال لفظها وكثافة معانيها. وهناك عدة تعاريف توضح مصطلح الأمثال الشعبية اخترت واحدا منها( إنها الجمل القصيرة والعبارات المختصرة التي تشبه القصة القصيرة وتتحدث عن تجربة معينة مر بها أشخاص في زمن معين , يتناولها الناس عندما يعيد الزمن نفسه على شكل مختلف من الناس بينما الوقائع التي قيلت فيها هذه الأمثال نعيشها في اي حقبة من الزمن) الامثال الشعبية هي صنيعة الشعوب.و لا تاتي من فراغ ابدا. ومن الامثال الشعبية السائدة والمشهور في المجر الكبير هو مثل( عرس أبّحير) وقد تداولناه منذ بداية الخمسينيات ولا يزال يضرب به لحد الان , تناقله الصبيه والشباب. حيث رددناه نحن جيل الستينيات وما قبلنا ولا نعرف من أبحير؟ وماهو عرسه، تلاقفناه من اهلنا وعوائلنا ومحيطنا ، ولا نعرف قصته، سوى انه من يتميز باظهار عرسه واشهاره وإعلانه, للملا بشكل كبير وواضح مما جعلني ابحث عن القصة الحقيقة له, فعرفت ان بحير هو شاب قوي البنية من عائلة فقيرة حاله حال عوائل مدينتي في نهاية الاربعينيات وبداية الخمسينيات، يتيم وحيد لامه واسمه بحير علي ابو لويه الوائلي. كان يسكن ووالدته مع صديق له .حينما كانت الصداقة تعني الاخوة الخالصة مع المرحوم شريجي ضامن الكعبي ووالدته وكان الجميع يتصور انهم اولاد عم حيث لا تعرف القاب وعشائر اهل المجر الكبير، بل كانوا عائلة واحدة متماسكة يعمهم الخير والصدق والإخلاص والوفاء. بحير هذا شاب يحمل اخلاق وصفات ابن المدينة يحب الجميع ويحبه اقرانه. نظيف السريرة. وقد يخشاه الاخرون لفرط قوته. وحدثني احد الرجال بأنه فرق يوما تظاهرة خرجت على احد اقربائه وهو الاستاذ شاطي وكان معلما وممثلا للحزب الوطني انذاك بسيف لوحدة . خشية منهم ان ياخذوه، او يضربوه. قرر (ابحير) ان يتزوج، وهو يعرف صعوبة ما يتطلبه الزواج، ولكنه كان يتفانى ويعمل ويكدح في شتى المهن من اجل تجهيز عرسه وأمه( ناطف) كانت (جدة المدينة ) والجدة هي من امتهنت عمل القابلة الماذونة في وقتنا الحاضر وكانت تسمى جدة اهل المدينة لان من اشرفت على ولادته كان يسميها (جدتي)لم تبخل بما ملكت, وادخرت لهذا اليوم ولوحيدها، وبما ان بحير وحيد وليس له اخ، قرر الشباب ان يكونوا جميعا اخوة له، ولان امه جدتهم، فمنذ ان خطب بحير استمروا بالأفراح والغناء والرقص واستخدام الطبول والدفوف(الزناجير) وبما ان المدينة صغيرة وهادئة يسمع الجميع من اقصى المدينة الى اقصاها اصوات افراح عرس بحير الليلية التي طالت لستة اشهر كاملة. فبعد العشاء تقوم من قبل الشباب المحب لبحير , الرجل اليتيم الطيب وهناك من شيوخ وعجائز المدينة من اكد لي ان عرس بحير استمر حتى بعد الزواج وولادة ولده البكر خزعل، فضرب هذا المثل الشائع (عرس بحير) ولا يزال تتداوله الالسن في مناسبات الاعراس والافراح المميزة والتي لها صدى واسع وحضور مميز، فمازال الشباب في مدينتي, حينما ينوون الزواج يتوعده اصدقاؤه بان يعملوا له عرسا كبيرا كعرس أبحير، ذائع ألصيت ونظرا لان الحياة بدأت تتشابك وصعبة، وخوفا من تهور الشباب، فعندما يتأخر عرس احد اقربائهم يصيحون بأعلى الاصوات( عمي كافي قابل هو عرس أبحير) رحم الله أبحير وامه وأهل مدينتي جميعا وسيبقى بحير وعرسه علامة فارقة في تاريخ المجر الكبير.
*ملاحظة الصور للمرحوم (بحير). وولده عبد الحسن









