ثقافة شعبية

بينما تدخل عقدها السابع سميرة مزعل.. رحلة عمر بين الكاميرا والسجون

ميسان/كاظم غيلان 

 

سميرة مزعل لربما واحدة من أبرز علامات ميسان الفارقة مدينةً وفناً وتاريخاً حافلاً بالابداع والتحديات والمثابرة النادرة.  وأنت تقصد استوديو التصوير العائد لها عليك أن تتأمل حديقة منزلها لصق الاستوديو وتتذكر هيكله الأول. لم يكن بيتاً لسكن عائلة كبيرة ، انما يتسع ويستعيد مجريات الذاكرة ليتأمله كيف كان لسنوات طويلة وكراً لمعارضي سلطة الفاشية والمطلوبين والمراقبين والملاحقين من قبل أجهزتها الأمنية وبذات الوقت عليك ان تعرف بأن هذا البيت لايختلف عن دور الرعاية الاجتماعية، فقد آوت هذه الفنانة والمناضلة ولم تزل العديد من الأيتام والمحتاجين من شرائح مسحوقة .سميرة ومنذ جذورها ابنة لعائلة مزجت الفن بالنضال السياسي ، امتهنت التصوير الشمسي منذ بداياته الضاربة بالقدم وأخذت هذه الشابة اليافعة وقتها ترافق المرحوم والدها في جولاته التصويرية، وحين فقد بصره حصل لها على اجازة تصوير صادرة عن وزارة الارشاد في العام 1962.

بدايات التحدي

توجهت لأم عادل بسؤال لربما تقليدي عن تلك البدايات لكن الاجابة كانت تحمل المفاجأة لتقول لنا:

– الكاميرا الشمسية التي غدت اليوم في خانة ماضي العراق الجميل حملتها وأنا بعمر الصبا والجمال لأجوب بها حديقة النساء في الستينيات وكانت نوع (بوكس) المانية المنشأ، حيث كانت تستدعيني ادارات المدارس للقيام بتصوير طلبتها وأجوب بها الأهوار لألتقط كل ما يدهشني من معالم الحياة هناك، كان لوعيي السياسي المبكر مايدفعني للامساك بكل جوانب الحياة لترجمتها من خلال العدسة، ورافقتني هذه الكاميرا كوسيلة فنية وسياسية بذات الوقت حتى للمعتقل.

*يعني هذا أن الكاميرا سجينة معك.. دخلت معك السجن وأطلق سراحها؟

– هنا أطلقت ضحكتها وواصلت الحديث لتدهشنا بمفارقة بأنها دخلت السجن وأطلق سراحها، بينما الكاميرا بقيت قيد السجن الى هذه اللحظة، اذ ألقي القبض عليها في العام 1981 ومن ثم أطلق سراحها، الا أن الكاميرا اختفت وأصبحت في عداد (المفقودات من العمر).

رفيقة أمينة 

مرات عدة تتعرض سميرة مزعل للاعتقال والاحالة الى محاكم الدولة العليا وتصدر بحقها أحكام سجن قاسية بسبب انتمائها السياسي المبكر للحزب الشيوعي العراقي والكاميرا برفقتها بكل أمانة واخلاص وهنا تستعيد ذاكرتها التي لم تزل طرية:

– أثناء انقلاب الثامن من شباط الأسود 1963 دوهمت دارنا في التاسع منه وراح أفراد الحرس القومي ينبشون كل زوايا البيت، فعثروا على الكاميرا التي أصبحت (دليلا جرميا)، حيث وبعد أن فحصوها وجدوا تصويري للبيان الذي يدعو أبناء الشعب الى اسقاط الانقلاب ومقاومته بالسلاح والصادر عن الحزب الشيوعي وحيث لم تكن وقتذاك أجهزة استنساخ قمت بتصوير البيان وتوزيع أعداد منه وبعلم وتوجيه الحزب طبعا وأحلت للمجلس العرفي وكانت الكاميرا معي بمثابة مبرز (جرمي) وبقيت أتنقل بين السجن والمستشفى بعد تدهور صحتي مع أن عمري كان دون السن القانونية، اذ كنت بعمر (15 – 16) سنة وتكرر الحال بعد اطلاق سراحي، اذ أودعت في سجن البصرة العام 1966 وللأمانة كان معي في السجن الفنان سلمان المنكوب – رحمه الله – الذي عاملني معاملة أبوية كبيرة لن أنساها ولم ينته مسلسل الاعتقال اذ تكررت الحالة في عامي 1981-1983.

الهوية الأصيلة 

أردت أن أقطع حديث السجون معها لأسألها عن أبرز ما يمتاز به فن التصوير الشمسي لتجيب:

– هذا الفن لم يزل محافظا على هويته التأريخية وقد امتد به العمر طويلاً لأنه ليس بالجاهز،انما يعتمد على الطاقة والمعرفة الابداعية لمن يمتهنه (المصور) ويشبه الى حد ما مهمة الصائغ الماهر، فالتصوير الشمسي يتعامل مع مواد كيمياوية خمسة (الكاربون، السلفات، الصوديوم، البرومايت، الميتول أو مايطلق عليه (المظهر) الذي يعين على اظهار الصورة وأخيراً الــ(هايبو) الذي يخرج الصورة بحلتها الأخيرة. 

* والآن كيف يعيش هذا الفن وآلته الشمسية؟

– موجود الا انه رفيق لذكريات الناس فهم يقصدونني لأقوم بمهمة استنساخ الصور الأصلية( الأسود والأبيض) وقد برع في هذا الفن عمالقة في التصوير العراقي الفوتوغرافي وعادت الآن الكاميرا الشمسية بمصاف (الأنتيكات) لما فيها من عبق تاريخ العراق ولو عدت الآن لسجلات الأحوال المدنية لتأكدت من كلامي .

* وكيف تتعاملين الآن مع التقنيات الحديثة لعالم التصوير ومحلك –الاستوديو- يزدحم بالكاميرات الحديثة؟

–  أنا مع تطورات عصري الذي أعيشه وأتعامل بحب واحترام مع تقنيات التصوير لكنني أرى من وجهة نظري أن تؤدي الطاقات التي تمتلك هذه التقنيات مهمتها بشكل سليم وبما يرتقي للنهوض بالتصوير كفن عريق وألا يستخدم لكل ما من شأنه أن يسيء للانسان وحياته، فالبعض أصبح يستخدمه كسلاح للعدوانية والتشهير كما نجده على مواقع التواصل الاجتماعي .

مصورة.. منتفضة.. شاهدة 

كاد يكون عام 1991 نهاية حياة سميرة مزعل بعد قيادتها النساء المنتفضات في آذار ذلك العام وحين قمعت الانتفاضة ألقي القبض عليها وزجت في معتقل الرضوانية الرهيب وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب، فكانت صلابتها مضرب مثال، وزج بسببها سائر أفراد أسرة شقيقها الراحل (عبد الرحمن شمسي) ، وبعد اخلاء سبيلها تعرضت لأزمة صحية قاسية، فقد أصدر المجرم عزة الدوري حال قمع الانتفاضة أمراً يقضي باعدامها، الا أن الأقدار التي مكنتها للهروب الى بغداد أبعدتها عن قدرها، وتحولت فيما بعد الى شاهد اعتمدتها محكمة الجنايات العليا أثناء محاكمة صدام وبطانته من المجرمين وأثناء الادلاء بشهادتها رفضت اسدال الستار عن وجهها وكانت تواجه المجرمين علانية وبكل ما امتلكت من أدلة .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان