ثقافة شعبية

التوظيف المبدع للمفردة الشعبية عند النواب

هاشم العقابي 

   

المفردات الشعبية تمتلك مستويات حسية للتعبير لا يمكن إحضارها بدون إحضار وعائها النفسي والاجتماعي، فهي في أغلبها، مفردات حسية أكثر مما هي رمزية، وهذا الحس هو الذي جعلها تمتلك نبضا جمالياً رشيقاً. لذا نجد أن أية محاولة لتحميلها أكثر من طاقتها ستتخمها وتكرشها وتسقطها خاوية خالية حتى من معناها المباشر. هنا سنحاول تسليط الضوء على براعة مظفر وقدرته الإبداعية في التوظيف الحسي للمفردة الشعبية العراقية.

لو سمعنا فتاة مستها لمسة برد تقول لقد بردت. وبالشعبي ‘بردانه’، لا يمكن أن تثيرنا مثلما لو قالت ‘إشّـاه’. كذلك ان هي شمت رائحة حبيبها تقول ‘افّـيه’ او ‘افيّـش’ بدلاً من قولها انها ‘طيبة’ او ‘جميلة’ .. ويمكننا ان نقيس على مثل هكذا مفردات مثل ‘أحاه’ او ‘آخ’. او بعض التنهيدات الصوتية التي لا يمكن كتابتها حرفياً. لقد انتبه مظفر الى هذه الخاصية الحسية فعمد الى استخدامها بدقة ورهافة متناهيتين. لنأخذ مثالاً من شعره في قصيدة ‘ايام المزبن’:

إش … لا توعي الـمزنه..

وتسـودن حنـيني .. بعـذرك

هذه الـ ‘إش’ واحدة من المفردات التي قد تأتي حنونة، او قد تأتي قاسية. وما يفرق بينهما هو النبرة أو طريقة اللفظ. ان اختيار مظفر لـ ‘لا توعي المزنة’ بعد تلك الـ ‘إش’ يرغم القارئ على ان يلفظها بهمس وحنان، مثل تلك الحبيبة التي تأمر الآخرين بالهدوء كي ينعم حبيبها بنومته. وهذا هو التوظيف المبدع الذي لا يمتلك مشاعر القارئ، وحسب، بل ويتعداه الى حد التحكم بطريقة تعبيره عن الانفعال الذي تولده لديه الصورة الشعرية، وكأنه يهمس بـ ‘وتسودن حنيني .. بعذرك’.

وفي ‘مضايف هيل’ يستخدم مظفـر مفردة ‘احـاه’ مرتين. في الأولى دعوة واضحة للثورة وعشقه لها:

أحـاه .. شوسع جـرحك!

ما يسـده الثـار

وفي الثانية، يعبر عن كرهه للإقطاع ليخلق في نفْس قارئه انفعالاً مليئاً بالكره الممزوج بالألم ليحرره من ردة الفعل السلبية، ويحوله الى كره من النوع الرافض للظلم:

واحـّــاه ..

اشكبـر ضحكات الاكـطاعـي 

ونترك للقارئ ان يستشف، البعد الحسي لـ (أفيـش)، حين يقرأ في قصيدة ‘فوك التبرزل’:

أفيش..شمني..

بشهيك الروح، شكة طلع

توظيف ذكي آخر للمفردة عند مظفر، وهو انتقاؤه المفردة التي يرتبط فيها اللفظ الصوتي بالمعنى، لأنها تمتلك رنة موسيقية خاصة تنجم عما تحدثه من فعل او ردة فعل. ولكي أوضح ما أعنيه، أطلب من القارئ الكريم الانتباه لمفردة (عَــط)، في البيت الشعري التالي المأخوذ من قصيدة ‘عشاير سعود’:

يَمهــرك، من يشّك الليل..

نجم ذويل.. ايعطهم عَــطْ

لقد أراد مظفر هنا أن يضفي على هذه الصورة الشعرية بعداً صوتياً كي يحدث انفعالاً مدوياً في وجدان قارئه، لذا استعان بـ (عط) التي سينفعل القارئ مع رنتها الصوتية من دون إدراك معناها الحرفي. فكما هو معلوم ان المرادف لـ ‘ايعطهم عط’ في اللهجة العراقية، والمستخدم بشكل أوسع بين العراقيين، هو ‘ايشكهم شك’. لكن هذا الاستخدام، أو اللفظ، لا يحمل التأثير ذاته الذي يحمله الأول. فمفردة ‘عط’ أكثر صعوداً وتأثيراً من مفردة ‘شك’ الخافتة صوتياً وحسياً. وإن كان الشيء بالشيء يذكر، كما يقولون، فقد وظف الشاعر المبدع ابو سرحان هذا الاستخدام بما لا يقل إبداعاً عن مظفر بقوله في واحدة من قصائده:

بيّه يالشحيت سوله .. آنه ما بياش لوله

لو برد جرحي وانه المالوم.. أبـط جرحي اعله طوله.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان