د. نادية هناوي
شاءت الشاعرة منى السبع أن تطبع نصوص مجموعتها الشعرية( تغريدات سنونوة) الصادرة عن دار كوفار اربيل 2015 بعتبة عنوانية ذات إيحاءات أنثوية ومتن نصي يتعاضد فيه الملمح الرومانسي جنبا الى جنب المنزع الواقعي ليلتقي العشق بالثورة والأمل بالنضال والأشواق بالترقب والهمس بالتشاؤم.
وتتلاقى آخر قصيدة من المجموعة موضوعيا بأولها لتكون النصوص جميعها ذات منحى شاعري ومسار دائري يبدأ لينتهي وينتهي ليبدأ ..إنها دورة الحياة الإنسانية بشرورها وخيرها وما من سبيل إلى استقامتها خطا له بداية ونهاية بل هي دوامة من التشابكات المعقدة التي لا تتضح فيها الخسارات مثلما لا تتبين فيها الانتصارات..
ويعد تحدي الذات العلني للآخر أحد صور هيمنة البعد الأنثوي في المجموعة ففي نص (مطاولة) نجد مراهنة إبداعية اتخذت شكل منافحة شعرية بين الذات بضمير الأنا والآخر بضمير الخطاب وقد أضحيا في حلبة نزال كتحدٍ أرادت منه الذات إعلان ثقتها بنفسها وأنها قادرة على أن تكسب الرهان:
انتظرني أيها التراب
لنرى
إيانا الأبهى؟؟
أنا المشرئبة بأشرعتي
رغم انكساراتها
أم أنت؟ ص5
وهي تعلم بنظرة واقعية أنها على الرغم من( انكساراتها) وضعف قواها إلا أنها واثقة من أنها ستحسم جولة الصراع لصالحها بعد أن صارت لا تراه إلا بأوصاف سلبية فها هو قد استعظم ذاته حتى كثرت الصور النرجسية من حوله وهو مشبع بالسواد وواقف على أعتاب النهاية التي لا عودة منها ولا مفر:
المكدس بين المرايا
والخطى السود
وباب المقبرة.. ص5
والحلم يظل يراود الذات المؤنثة في نص(استثنائي )ليكون الأفق جسدا أنثويا مسحورا حيث الأرض تزهو خجلة مؤطرة بالغرور ومتسعة في حدودها وبهاء بريقها . وفي نص( كابوس) تتحول الليلة إلى جسد أنثوي تتنازعه فوضى مخيفة يطاردها الشر من كل مكان ويتربص الموت بها من كل جانب:
ليلة ممددة
على دروب مقفرة
..
تتجشأ بجنون
نعوشا من رماد
أكتاف من دون رؤوس
تحملها
فضاء يضج
بدوي الخوف… ص 24ـ25
وفي نص( المغدور مرتين) يتمظهر ضمير الغياب (هي) في بنية مائية على شكل أمواج تتحول إلى جسد له صفات فانتازية كما تتحول المياه أشباحا ومن ثم تفضي سيادة هذه البنية المائية على النص إلى أن يكون التحول النهائي مذكرا متمثلا في البحر:
يوما ما
بعيدا سترحل الأمواج
ستوشوش : للطير
للمدى للضفاف
..
…
كيف تشرئب المياه أشباحا
..
شكرا أيها البحر.. ص29
ويتعالى ضمير الغياب (هي) في نص( سبايكر) مفنتزا الواقع ليؤدي دورا تحريضيا يستنكر الجريمة البشعة جريمة معسكر سبايكر حيث الأرض تعوي والمخالب والأنياب تتناثر حول الجريمة التي ستظل لغزا والألسنة خرساء والسماء لا تلقي بالاً لأفعال بشر ممسوخين ويغدو التاريخ مقصلة تعدم ذاكرة جرائم اقترفت بحق الإنسانية:
سبايكر
حتما لن تكوني
سدادة لمجرى الدماء
ما دام الرهان قائما على
إعدام الذاكرة
بمقصلة التاريخ!! ص23
وتستحضر الذات في نص( الليلة المليون بعد الألف) الشخصية السردية شهرزاد التي اتخذت من الحكي وسيلة للنجاة من بطش ذكوري توعد بنات جنسها بالوأد والمصادرة والانمحاء والإقصاء..ولئن كان مصيرها الموت؛ فإن في ذلك إضاءة للحياة وإعلانا لها وما الخوف والإذلال والانصياع إلا موت مقرون بالظلام والتخلف، تقول:
شهرزاد
الموت أهون
من حلول اللعنة الكآداء
كل مساء.. ص11
ويظل الخوف عدوها اللدود الذي تراه جسدا حيوانيا شبقا كذاك الذي أخاف شهرزاد قبلا في لياليها ليجعلها وبنات جنسها محاصرات بأنوثتهن مكبلات بأجسادهن نازفات عمرهن قهرا ولوعة :
والخوف اللعين
عيون ذئب جائع
مذ ألف ليلة
بل ملايين الليالي
تنزفين
عصارة الروح الكسيرة
والرمال هي الرمال.. ص11
ولهذا تتطلع إلى أن تجد في النساء صورة شهرزاد التي كسرت الصمت وأباحت لنفسها أن تطلق العنان لصوتها ليشدو بالحكايا التي لم يجد الآخر بدا من الوقوف عند بابها والإذعان لجمالها لتعتلي هي القمة توهجا ولتذر زمانا غابرا كانت فيه ذليلة قانعة وهكذا تتعجب كيف لا يكون ذلك واقعا معيشا وحقيقيا:
كيف لا يغدو
بواشق؟؟
تعتلي هام الغيوم
طوق كالنيران
واعجبي!!
ولا تتوهجي
مشاعل
تذر هشيم الواقع!! ص12
ولا يخفى أن في خطاب الذات لأخواتها مساندة أنثوية ضد الآخر الذي لم تتغير سطوته، وعلى الرغم من ذلك كله فإن أرضه ستظل قابلة للتغيير وهي تخضع لرياح التجدد والبزوغ في ظل مدنية متحضرة فيها الأنثى كينونة جسدية وقيمة معنوية.









