ثقافة شعبية

اللحنية العراقية بين الردة الحسينية و الاغنية العاطفية … حمزة الصغير و صلاح عبد الغفور أنموذجا

قراءة : داود سلمان الشويلي

   

يتحدد اي ” ملحون ” يتردد على لسان الناس بلحنه الذي يتغنى به ، واللحن هذا يعود الى المقام الذي تعارف على تسميته جمهرة المختصين منذ ان ترددت تلك المقامات على السنة الناس ، فيقال هذا اللحن من مقام كذا ، وذاك من مقام كذا ، والثالث من مقام كذا ، وهكذا دواليك .

وكل لحنية يترنم بها الناس لها مقامها الذي تؤسس عليه ، ان كانت اغنية عاطفية ، او انشودة دينة ، او كانت ترتيلا ، او تجويدا للقرآن ، او ردة حسينية ، او لحنية من المناقب النبوية ، او اي لحنية اخرى يترنم بها الناس .

والمقامات في لحنية واحدة تتداخل فيما بينها ، اذ ينتقل المؤدي من مقام الى اخر حسب لحن تلك اللحنية ، او الترنم بها ، وهذه الانتقالات تعود الى من صاغ تلك اللحنية ، او واضع لحنها ، وفي احيان تكون ارتجالا .

ان مرددو هذه اللحنيات يذكرون فيما بينهم المقام الذي تعود اليه تلك اللحنية ، فيقال هذا التجويد القرآني على مقام كذا ، وهذه المنقبة النبوية على مقام كذا ، وتلك الردة الحسينية على مقام كذا ، وهذه الاغنية العاطفية او السياسية على مقام كذا.

وللمقام الواحد ادوار كثيرة تختلف باختلاف زمنها الداخلي ،الزمن الموسيقي ،  فمنها البطيء ، ومنها السريع  ، ومنها مايقع بينهما ، ولمقام ” البيات ” صور وادوار شتى كما في الردة الحسينية التي نتكلم عنها في هذه السطور ، والاغنية كذلك ، إذ من الواضح الكيفية التي  تتغنى بها  الاغنية ، و تلحن (ترد) الردة الحسينية .

وقد تبادلت الردات الحسينية والاغاني العراقية فيما بينهما الحانا كثيرة ومشهورة ، خاصة عند الملحنين الكبيرين محمد جواد اموري وكوكب حمزة اللذين استفادا فائدة كبيرة من اشهر الردات الحسينية ، مثل اغنية ” يبنادم ” التي وضع كلماتها الشاعر العامي المرحوم ذياب كزار ” ابو سرحان ” و وضع لحنها الملحن القدير كوكب حمزة ، حيث تشابهت مقدمتها الموسيقية وصيحة الشيعة “حيدر ” عند ضرب الرؤوس بالقامة ، وغيرها من الاغاني ، إذ توافق ايقاع الطبل في الاغنية مع ايقاعه في ضرب الرؤوس  بالقامة .

وقد شاعت بين الناس ردة حسينية بصوت الرادود الحسيني المعروف حمزة الصغير بمناسبة مقتل القاسم ابن الحسن في معركة كربلاء ، وهذه الردة هي ( يمه ذكريني) التي وضع كلماتها الشاعر العامي الحاج كاظم منظور الكربلائي ، و تروى على لسان القاسم بن الحسن مخاطبا امه ” رمله ” ان تتذكره كلما مرت بها زفة عرس ، لانه مات شابا مؤهلا للزواج .

 تقول كلمات الردة :

(( يمه ذكريني من تمر زفة شباب.. 

من  العرس محروم ، 

حنتي دم المصاب

شمعة شبابي من يطفوها..

حنتي دمي والجفن ذار التراب

يمه ذكريني من تمر زفة شباب

اجاك من برج المخيم … جاسم ونوره يتشعش … 

ناشر جعوده عله متنه … ومثل طير الجنة يلمع

هلهلت رملة وتكله … هاك اخذ كلبي المكطع … 

شنهي يجاسم نيتك فاير بجمرة 

همتك جنك وفيت 

بركبتك صاحن يدوكي المرضع 

من ثدي النيبة راضع بصافي الحليب..

وبهالشهادة صار الي قسمة ونصيب

حوبتي بدمي خلها يفرشوها .. 

حنتي دمي والجفن ذار التراب

يمه ذكريني من تمر زفة شباب

هلهلت هله هله

 اشلون فزعة من فزع جاسم العمه 

ضاكت بعينه الوسيعة 

والوفة يطشه ويلمه 

تنومست رملة بولدها 

حمت ضلع الصبر يمه

صاحت النيه راشده 

وكلب امك الله يساعده

صاح الي  يوصي والده

عن وصيه يبيع  دمه

اهلي وصوني بالوفة يوم الطفوف

من دم وريدي يصبح خضاب الجفوف

هذي وصيتي يالتسمعوهه

حنتي دمي والجفن ذار التراب

يمه ذكريني من تمر زفة شباب

دهري يتّمني والتزم عمي برباي..

 ما اعز عنه مهجتي وروحي ودماي

رملة بمصابي خل يواسوها ..

 حنتي دمي والجفن ذار التراب

والوفا شانه ينعدم بيه الوجود.. 

وآنه وجداني يغتنم جنة خلود

نيتي بديوان جدي كتبوها .. 

حنتي دمي والجفن ذار التراب

يمه ذكريني … الخ )).

والرادود هو المرحوم الشيخ حمزة بن عبود بن إسماعيل السعدي ينتسب إلى عشيرة ( بني سعد ). ولد في كربلاء سنة 1921م المصادف 1341هـ . تتلمذ عند أستاذ قدير وهو المرحوم حمزة السماك، وأصبح أحد الرواديد الكبار الذين يشار إليهم بالبنان. كان في بداية أمره يشتغل خفافاً، ثم أصبح صاحب مكوى في شارع المخيم. يجتمع في حانوته عدد من الشعراء الشعبيين على رأسهم المرحوم كاظم المنذور. له صوت رخيم يشنف الأسماع. ويأخذ بمجامع القلوب في معظم المواكب الحسينية التي يديرها. وكانت معظم القصائدالتي ينشدها هي من نظم الشاعر الشعبي كاظم المنظور. وقد عرف بـ ( حمزة الزغير ) تمييزاً عن أستاذه ( حمزة السماك ) الذي يكبره سنّاً. اقتصرت جل قراءاته لمواكب الخبازين والقهواتية وغيرها، توفي من أوائل السبعينيات.

ان واضع لحن هذه الردة هو الرادود نفسه كما متبع دائما في تلك الردات ، وقد تقود كلمات الردة الى اللحن الذي تصاغ فيه ، وقد قادت كلمات القصيدة الرادود الصغير الى مقام ( البيات) فراح يترنم به ، فخرجت لنا هذه الردة واشتهرت بين الناس .

***

وقد استفاد كثيرا المطرب الراحل صلاح عبد الغفور من هذا المقام ( مقام البيات) الذي بنيت عليه الردة فاستقام لحنها ، وربما كلمات الاغنية ، التي لم يثبت اسم واضعها ، هي التي قادته الى هذه اللحنية ، او تأثرا بالردة الحسينية (يمه ذكريني) ، كما ارى  ، التي صدح بها صوت الرادود الصغير ، فجاء لحن الاغنية متابعا للحن الردة الحسينية.

و صلاح عبد الغفور ( 1953 – 7 أبريل 2013) مطرب عراقي معروف ولد في ناحية السعدية بمحافظة ديالى، وهو من أصل كردي، ذاع صيته خلال فترة الثمانينيات، تقدم إلى اختبار الإذاعة والتلفزيون عبر برنامج ركن الهواة عام 1961 وهو لا يزال بعمر الثامنة ، وجذب الأنظار عندما غنى أغاني الفنان العراقي الكبير ناظم الغزالي.

دخل عام 1973 في الفرقة القومية للفنون الشعبية وأصبح فيما بعد عضواً في فرقة الانشاد العراقية، وشارك معها في عدد من المهرجانات والاحتفالات الداخلية والخارجية، واستمر فيها (4) سنوات. وفي العام 1977 دخل في معهد الدراسات النغمية وأصبح طالباً فيه وتخصص في غناء المقام العراقي والعزف على آلة الكمان، وبعد (6) سنوات تخرج من المعهد وانضم إلى (فرقة التراث الموسيقي العراقي) . توفي إثر حادث سير في أربيل -العراق يوم 7 ابريل 2013

يقول مطلع الاغنية :

((لا تلوموني تره كلبي ما يحمل ملام

ذبلت جفوني وما ضكت طعم المنام

البسمة بشفافي مثلي محتارة

وكلبي يا عيني ما طفت ناره

وسلوتي دمعي

وغنوتي نوح الحمام

لا تلوموني تره كلبي ما يحمل ملام

… الخ)).

قصيدة  ” يمه ذكريني ” جاءت على لسان الشاب الذي في طريقه الى الموت ( القاسم بن الحسن ) الذي يوصي امه بان تتذكره عندما تمر بها زفة شاب اخر لانه في عمر الزواج .

فيما الاغنية جاءت على لسان انسان يوصي بعدم تقديم اللوم له ، لان هذا اللوم سيزيد حزنه حزنا ، وقلبه المكلوم لا يتحمل ملامة احد .

القصيدتان ، وبصوت مؤدي كل لحنية على حده ، الردة والاغنية ، تحمل من الشجن والحزن الكثير فتفيض به على السامعين الذين تدفع بهم ذائقتهم للتفاعل معهما .

تشترك الردة الحسينية ” يمه ذكريني ” واغنية ” يلوموني ” بوشيجة لحنية كبيرة ، إذ انهما جاءا على مقام واحد ، هو مقام ” البيات ” الذي يتسم بالهدوء والحزن الشفيف مع تنوع في سرعة اللحن من داخل ذلك المقام.

ان ترحيل اللحنية من مجال فني الى مجال فني اخر ( تجويد القرآن ، او الردات الحسينية ، او المناقب النبوية ، او الاغاني وكل هذه المجالات قديمة بقدم حضارة سومر) هو مشاركة الفعاليات تلك في خدمة الانسانية التي راحت تعزف على وتر لحني متجذر في الذائقة الجمعية لمجتمعنا العراقي الاصيل ، خاصة ان الحزن الشفاف متجذر في الذائقة السمعية للاذن العراقية منذ مراثي المدن السومرية الى مراثي الحسين (ع)في وقتنا الحاضر . 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان