ثقافة شعبية

(قناطر الموصل)

* عبد الله سالم

 

حينما تسير وسط تلك الممرات التي تعلوها القباب المستندة على عقد رخامية فتشكل ما يشبه الاسطوانة ويطلق عليها الموصليون تسمية “القناطر” تشعر أن الأزقة القديمة لمدينة الموصل تعيدك قروناً بعيدة نحو التأريخ.”القناطر”طراز معماري قديم وهي تربط بين دارين، أو تمر من خلال دار إلى حي سكني آخر، لذا فهي تحمل اسم صاحب الدار، او الزقاق المار بها. وتنفرد الموصل عن باقي المدن العراقية بوجود تلك القناطر التي يزيد عمرها عن 1400 عام بحسب المؤرخين، فبناء هذا النوع من الممرات كان سائداً حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وازداد الاهتمام بها وعلى نحو كبير خلال العهد العثماني، لفوائدها الكثيرة، فإضافة الى شكلها الجمالي كانت تحقق غايات عديدة أخرى منها وقاية المارة من الأمطار وحرارة الشمس كما إنها تمثل مداخل للأحياء أو رابط بين دور عدة.

ويشير المؤرخ أزهر العبيدي في حديثه إلى وجود أسباب عدة دعت الى انتشار القناطر في الموصل القديمة، منها أن السلطات في العهد العثماني كانت تفرض على الأهالي عند المباشرة ببناء منزل أن يقوموا بشق زقاق يمر وسط الأرض المخصصة لبناء المنزل، فيضطر صاحب البناء إلى إنشاء قنطرة توّحد داره من الأعلى ويمتد الزقاق من تحتها. وكانت القناطر تنشأ كذلك في حال توحيد قطعتي أرض متجاورتين يملكهما شخص واحد أو تعود ملكيتها إلى أشخاص عدة تربطهم صلة قرابة ،فلا يكون من سبيل لتوحيد الدارين وشق زقاق في وسطهما سوى الاستعانة ببناء قنطرة لتكون ممراً مخفياً بين العائلتين من الأعلى. ويقول العبيدي “كان صغر حجم الدار يؤدي بصاحبه إلى طلب الموافقة من البلدية العثمانية لتشييد قنطرة ملتصقة بالدار المقابل واستعمال سطحها غرفة تضاف إلى بيته لتزيد من مساحته”.

ويذكر الباحث سلوان عبد العزيز أن التوثيق لتراث وتاريخ الموصل لم ينشط سوى في العقود الأخيرة، وهو ما أدى إلى ضياع الكثير من تفاصيل حضارة الموصل ونينوى عموماً، والقناطر واحدة من علامات تلك الحضارة، فلا يُعرف منها سوى الماثل منها اليوم، في حين أن المئات منها كانت تحيط الأحياء السكنية، وحتى التجارية منها منذ 14 قرناً مضت فهي ممرات نحو تاريخ يخفي الكثير من أسرار المدينة التي ستبقى مجهولة بالنسبة إلينا وإلى الأبد. ويقول سلوان إن المسيحيين هم أول من بنوا القناطر في الموصل وهو أمر بديهي لكون المدينة كانت مسيحية الدين في الأصل ثم كان للمسلمين حضورهم، واعتمدوا أطر البناء تلك، وبرعوا في تطويرها، لتصبح جزءاً من تراثهم في المدينة. السلطات الحكومية العراقية وخلال عقود طويلة اهتمت كثيراً بقناطر الموصل، وهو سر بقاء البعض منها، ومع ذلك يتملّك الخوف المهتمين بتراث مدينة الموصل من مستقبل هذه القناطر التي اصبحت بعيدة عن أي صيانة، خاصة وأن البيوت التي حولها أو الأبنية التي فوقها بدأت تندثر وتتهالك يوماً بعد آخر.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان