حاوره: عبد الباقي فرج
منتصف سبعينيات القرن الماضي هو زمن تهميش الشعرالشعبي العراقي المكتوب بالعامية بسبب الحصار الذي فرض عليه من قبل سلطة البعث بذريعة الحفاظ على سلامة اللغة العربية، والحقيقة إن السلطة رأت ضرورة تجفيف هذا البحر الذي كان غالبية ملاحيه من اليسار ، ليستبدل الشعر الشعبي بقوّالين ساهموا لا بألسنتهم فقط في الصعود المطلق للدكتاتور نهاية السبعينيات وحاجته للتأليه ورفد حروبه الداخلية والخارجية بالتمجيد!، شأنه في ذلك شأن الشعر المكتوب بالفصحى بعموده وتفعيلته والذي ألّه الدكتاتور حتى احتدمت المنافسة بين تلك الأبواق وسط قهقهات الدكتاتور وجلاوزته مما يقال فيه ولربّـما صدق ما قيل فيه. في زمن القتلة هذا لاذت بالصمت أصوات للحفاظ على نقائها ، أصوات كان من الممكن بعد سطوعها المدوّي ذاك ، أن تتناثر نجومها بينما انسحقت تحت أقدام الجلاد أصوات أخرى تصول وتجول هذه الأيام بعد أن كان لها صولاتها المخزية إلى حد تنكر أحدهم لشهيد شيوعي كتب بحقه مرثية ليقدمها إكراماً للدكتاتور فيما بعد إلى قوّال من قوّالي الجلاد تمّت تصفيته في الإنتفاضة العراقية في آذار 1991!. ثم جاءت الثمانينيات لتدوّن زمن أفول القصيدة الشعبية بل مغادرتها قلوب الناس التي امتلكتها على مر الأزمان وخاصة بعد حركة التحديث التي تبلورت على يد الشاعـر المبدع مظفر النواب في نهاية خمسينيات القرن الماضي والتي تألقت في قصيدتيه [ للريل وحمد ]و [ جنح غنيدة ] كما بدت واضحة أيضاً في أغلب قصائد ديوانه الشهيرـــ للريل وحمد ـــ ، هذه الحركة التي انجذب لها أغلب شعراء العراق الشعبيين حتى كادت القصيدة الشعبية التقليدية تختفي ، بينما استمرت الوان الشعر المكتوب بالعامية الأخرى كالزهيري والدارمي والأبوذية في تألقها وحضورها في شتاءات الناس وما تتفضل به طبيعة العراق من فصول تكاد تختزل بصيف طويل طول عذاب العراقيين الذي كان الشعر الشعبي العراقي نديمهم الدائم . مع صعود الدكتاتور المطلق في نهاية سبعينيات القرن الماضي شهدت الساحة الأدبية العراقية هجرة غالبية مبدعي العراق وبمختلف صنوف الإبداع ومنها الشعر الشعبي حيث تمكن بعض مبدعي هذا الشعر من مغادرة جحيم البعث إلى سماء المنفى ، بعيداً عن خيمة الدكتاتور وقوّاليه ، رغم ما يعانيه الشاعر الذي يكتب بلهجة شعبه الخاصة في أرض أخرى بعيداً عن أرضه ، فما بالك بمن كان منفاه أوروبياً وهنا يحضرني ما قاله شاعر إنجليزي صديق للشاعر العراقي المبدع عبد الكريم كاصد حين أخبره كاصد بوفاة الشاعر الشعبي العراقي عزيز السماوي: شاعر شعبي وفي لندن؟ في منافي المبدعين العراقيين التي شملت قارات الله جميعها كان للشعر الشعبي وهجه الخاص رغم ندرته ورغم أن الحرب الأهلية اللبنانية غيـّبت شــاعراً ، من أهم الأصوات في الشعر الشعبي العراقي ،أبو ســرحان ـــ ذياب كزار ـــ وذلك في عام 1982 ، اشتغلت أصوات هامة على تطوير القصيدة الشعبية في المنفى أو تفاعلت مع متطلبات المنفى الذي ليس فيه من الوطن سوى المنفيين ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر عزيز السماوي الذي وافاه الأجل في منفاه البريطاني ، و الشاعر كامل الركابي الذي بدا جهده جلياً في قصائده * ــــ مشــاهـدات ــــ ليمنح القصيدة فرصة التحليق رغم شدوها على ذات الإيقاعات الموسيقية المعتمدة ليمنح القصيدة فرصة التحليق رغم شدوها على ذات الإيقاعات الموسيقية المعتمدة في القصيدة الشعبية الحديثة وهنا تكمن المفارقة! .
* نهاية سبعينيات القرن الماضي كانت فاصلة دامية بين الشعراء والقوّالين الذين مجدوا الدكتاتور وحروبه مما اضطر أصوات هامة أن تلوذ بالصمت النبيل ولهذا ثمنه الشعري الباهض بالطبع بينما استطاعت أصوات هامة أخرى أن تنأى برؤوسها بعيداً عن القتل ومقتل القصيدة …. أين انتظرت القصيدة؟
– الاصوات قبل مجيء الدكتاتور كانت ذات ايقاع يساري وذات روح نابضة بهموم وعذابات الناس، وكانت المهرجانات الشعرية في المحافظات ذات حضور كثيف والقصائد تمجد الحلم والبطولة وتحث على التغيير وتناكد الممنوعات وكانت النوادي الاجتماعية تقيم الاماسي الشعرية والادبية وتتطلع الى مساحات اكبر من حرية الفكر والرأي أما البارات وخاصة في أبو نواس فهي الملتقى المتوهج للشعر والشعراء كذلك غدا الشعر الشعبي ضيفا عزيزا في سفرات الطلبة والشباب وبالتالي غدا خطراً داهماً على المخطط السلطوي في تبعيث المجتمع وجبت محاربته فصدرت فتاوى التحريم والتجريم تحت مسميات مختلفة وأعذارخبيثة كتلك المقولة التافهة التي طبّل لها القوميون على أساس أن الشعر الشعبي يتعارض مع اللغة العربية التي هي لغة الأم متعامين عن أن حضارة العراق تبقى مشوهة دون تراثه وفلكلوره الشعبيين وعلى ضوء تلك الاعتبارات الفاسدة والافتراءات البغيضة جرى إقصاء ماهو جميل ونبيل في الشعر والشعراء واستدعاء بعضهم وترهيبهم وحتى قتلهم في أقبية الأمن العامة أو اغتيالهم في الشارع يوم شاع الصمت والخوف بعد مجيء الدكتاتور وانزوى البعض أو هاجر أوصمت أو زاول كتابته سراً ,أطلقت قصائد المديح ذات المسدس الكاتم وجرت محاولات ارتهان كل الثقافة لنزوات الدكتاتور وسفاهات ابنائه ..! وجاءت الحروب… في البدء لم أنتظر سوى الخلاص فغادرت البلاد أسوة بالرافضين وأنا في العشرينيات من عمري ولم أتخيل يومها أنني سأشيب في المنفى. القصيدة وقد خلعت عنها رداء الوطن ـــ الطفولة ظلت ساهرة تبحث عن تشكيل آخر للوطن-الحلم !
* هل حان وقت تقديم وجه القصيدة الشعبية المشرق للناس بعد أن أسقط القوّالون وأصوات كان يقال إنها هامة! آخر قطرة حياء في حضرة الدكتاتور ؟
– القصائد الجميلة ظلت حية في وجدان وذاكرة الناس .. لم تمت ولم تستطع الدكتاتورية رغم جلافتها تشويه خبايا ذاتها الأصيلة . لا أصوات هامة في الشعر سوى الأصوات الرافضة .. ولايستثنى منها -في اعتقادي- الأصوات التي ناهضت الدكتاتورية سراً أو التي انزوت صمتاً لأسبابها الخاصة. التغيرات الجديدة قد تفضي الى التعرّف على ملامح القصيدة الشعبية الحديثة.
* في قصيدتك ـــ مشاهدات ـــ تواصل التجريب في القصيدة الشعبية العراقية.. إلى أين أنت ذاهب؟
– لم أزل أواصل التجريب في شكل الكتابة لا أحب الاسترسال في القصيدة وكأنني أهذي رغم أن للهذيان قيمة لا أقصدها والنص الشعري الذي أحاوله مشحون بطاقة تجربتي الفردية والتجارب التي عمّقت في ذاتي أفق التبصر ومنحتني حرية الفضاء وجناح الطير ….. تخيَل معي أن تجاربنا كالدورق الكبير المستخدم في الاختبارات الكيمائية وعصارة أرواحنا ومعاناتنا هي الخميرالسائل الذي يملأ حدّ العنق جوف هذا الدورق والحياة هي عامل التسخين والقطرات الصافية – الروح المتأتيةمن التكثيف ـــ تكثيف بخار العصارة ـــ هي القصائد ! فما أبهى الدورة وعذاب الدورق! أعترف لك انني لست قادراً على صياغة نص قصصي قصير ضمن أساليب كتابة القصة القصيرة فماذا أنا فاعل؟ محاولتي في الكتابة ابتداع شــكل شــعـري يـســتوعب النص القصصي وإذا فـشـلت سـأهـمـس نفســي: يكفي شــرف المحاولة!









