علي كاظم خليفة العقابي
قبل ان يكون التعليم مجانيا، كانت المدرسة تأخذ مبلغا نقديا قدره نصف دينار للكتب والقرطاسية التي توزعها، مما ادى الى تسرب الكثير من التلاميذ خارجالمدرسة، وخاصة اولاد الفقراء او من لديهم اكثر من تلميذ في المدرسة.كان معلمنا المربي المرحوم اسماعيل حافظ، معلم الصف الثاني، ذلك الرجل الانيق والمثابر والهادئ حتى لا تكاد تسمع صوته، من انشط المعلمين, ويحبه الجميع ، ادارة ومعلمين وتلاميذ، وأولياء الامور، يبذل جهدا, كبيرا في ادائه التربوي، ويتابع كل صغيرة وكبيرة ،ابسطها انه يقص اظافر التلاميذ جميعا ، بين فترة وأخرى، ويجلد الكتب والدفاتر المدرسية لتلاميذ الصف بيديه ، ولا يسمح لأحد بهذه المهمة غيره ويكتب عليها اسم التلميذ والصف والمادة بخط يده الجميل، و قبل انتهاء الدوام المدرسي , يجمع اقلام التلاميذ ويضعها بعد ان يبريها في خزانة الصف المحفورة في الحائط ، التي عمل لها بابين صغيرين ، ويقفل عليها ، حتى يسلمها من جديد صباحا ،في بداية الدوام ،مما جعل صفة الثاني الابتدائي (ب) متميزا كل عام. وقد تخرجت على بين يديه اجيال تحملوا المسؤولية بنجاح ووصلوا الى المراتب العليا، وبالإضافة الى مهمته التعليمية، كان مكلفا في ادارة الحانوت المدرسي لمدرستنا المجر الكبير الابتدائية، التي تأسست سنة 1919 ميلادية، وهي من اقدم المدارس في محافظة ميسان، فقد كان الحانوت قريبا من الصف الاول (أ) في الزاوية المحصورة بينه وبين الصف السادس (أ)، وكان يستخدم ايضا مخزنا للكتب المدرسية، التي كانت مصفوفة بشكل جيد على احدى الجهات من الحانوت . كانت ادارة المدرسة تشكل لجنة للحانوت المدرسي من بينها تلاميذ المدروسة، وبعد ان تصدر اعلانا للمشاركة فيه بطريقة الاسهم البسيطة ,يقرأ على مسامع جميع الصفوف كان اقل اشتراك هو ربع دينار للمساهم الواحد، وبعد انتهاء العام المدرسي توزع ارباحه على المساهمين وحسب النسب المئوية حيث كان الحانوت يبيع الحلويات والبسكت والحمص والزبيب وغيرها. و هناك جدول اسبوعي لمشاركة التلاميذ في البيع ومن جميع الصفوف، يتغيرون حتى لا ينشغلون عن اداء دروسهم بشكل جيد. وكان استاذنا المربي اسماعيل حافظ يعرف التلاميذ الفقراء جميعا فهو ابن المدينة، وعلاقته الطيبة بالجميع جعلته يطلع على احوالهم ومعيشتهم، فكان يشترك من ماله الخاص لاعداد كثيرة منهم دون ان يخبرهم، وكان همه ان يخفف عنهم بدفع المبلغ السنوي الذي تطلبه المدرسة وكان نصف دينار للعام الدراسي الجديد وما تبقى يساعدهم فيه بما يحتاجون من لوازم مدرسية او ملابس، وعندما توزع ارباح الحانوت في الايام الاخيرة من العام المدرسي على المشاركين وحسب حصص المساهمين فيها فقد تكون الارباح دينار ونصف او دينارين لكل سهم اي ربع الدينار الذي كان وضعه هو باسم كل تلميذ محتاج,لا استطيع وصف فرحتنا بعد استلامنا لهذا المبلغ المدخر من قبل هذا الانسان النبيل، فقد كان مبلغا كبيرا في منتصف الستينيات، والجميع يدعو له بالصحة والعافية وطول العمر. يذكر ان استاذي المربي ابو حقي من مواليد( 1931) المجر الكبير هو خريج دار المعلمين الابتدائية في بغداد(1950 ) ومارس التعليم في المدارس الريفية حتى استقر في مدرسة المجر الكبير الابتدائية لآخر ايام عمره وإحالته على التقاعد. رحم الله معلمي ومربي الجميع في مدينتي، الرجل الفاضل والكريم اسماعيل حافظ، وليكن قدوة لنا وللأخوة العاملين في مجال التربية والتعليم.
انتقل الى رحمة ربه الكريم/10 /2010
رحمك الله استاذي وجعل روحك في عليين، وصدق الشاعر حينما قال:
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا
كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا









