ثقافة شعبية

ساعي البريد في الذاكرة الميسانية

ميسان/ كاظم غيلان

لايمكن أن تبرح مخيلتي  إطلالة ( أبو علي) الذي كان يعمل كساع للبريد في مكتب بريد الباب المعظم منتصف تسعينيات القرن الماضي حين يشرق علي وأنا أعمل في مكاتب الاستنساخ بذات المنطقة وهو يسلمني مظروفاً قادماً من أصدقاء أقاموا في المنافي قسراً ، وما أن أفتح المظروف وأبدأ بقراءة الأسطر الأولى حتى أكاد أطير فرحاً أو أن اجهش بكاء لما تتضمنه من أخبار. أنه حامل المسرات والمفاجآت بأحزانها وأفراحها الذي دخل نفوس الناس وأقام في الذاكرة بكل حب ، بل وراح يدخل الأغاني العراقية فمن منا لايتذكر أغنية رضا الخياط:
(اعيونه تربي يغالي وتنتظر ساعي البريد) أو أغنية لأنوار عبد الوهاب( آني وحدي وانته بالغربة وحيد.. عندي صورة وصاحب الصورة بعيد.. كلما تندك باب داري.. اتصوره ساعي البريد).ومع دخول خدمة الأنترنت بقوة بعد العام 2003 حتى توارى حامل الأسرار والبهجة  والحزن عن الانظار وما عاد بأنتظاره أحد.. بينما لم يزل مقيماً في الذاكرة.

مفارقات تقاعدية
 حدثنا- علي حسين الناصري- الموظف المتقاعد في دائرة بريد ميسان عن العديد من المفارقات التي حصلت من خلال سعاة البريد حيث وردت ذات مرة برقيتان ضمن وحدة الارسال والاستلام في الدائرة. الأولى تحمل تهنئة لمحافظ ميسان بمناسبة زواج أحد اقاربه أما الثانية فتحمل مشاعر تعزية لأحد المواطنين بمناسبة وفاة والده . الا أن العكس قد حصل فقد ذهبت التعزية للمحافظ والتهنئة لأهل المصاب الجلل!! مما أثار استغراب الطرفين. ويذكر الناصري ان جميع الرسائل والطرود كانت تخضع لرقابة أمنية من قبل أفراد متخصصين تابعين لأمن ميسان يقومون بمهمة فتح الطرود والرسائل للتأكد من مضامينها وسلامتها من أي شيء يسيء لأمن الحكومة ، كما ويتذكر أبرز سعاة البريد آنذاك ومعظمهم قد أحيل على التقاعد أو رحل عن الدنيا بعد أن أمضى سنوات خدمة طويلة في مجاله ومنهم المرحوم عارف ناجي الذي عمل في هذا المجال منذ أربعينيات القرن الماضي لحين تقاعده في السبعينيات وعواد كاظم وطالب نجم وخميس الأسدي وعباس عبد الحسن وحسين سالم وجميع طرود ورسائل الناس تختم من قبل الدائرة أما البرقيات فتغلف بمظروف بني اللون يحمل ختم الوزارة وعبارة(برقية) ، بعد ذلك- والحديث لعلي- استخدم جهاز الفاكس نوع سيمنس  ألماني المنشأ الذي دخل الخدمة في السبعينيات وكان معظم إن لم يكن جميع هؤلاء السعاة يقومون بمهامهم بواسطة الدراجات الهوائية أو البخارية .

ما يطلبه المستمعون
 كان يستمتع البعض من هواة المراسلة بسماع أسمائهم عبر أثير الاذاعة ومن خلال برنامج( مايطلبه المستمعون) الذي يحظى بمتابعة وسماع الناس له عبر رسائلهم للبرنامج، حيث لم تكن وسائل الاعلام المرئية حينها موجودة باستثناء تلفزيون بغداد فلم تكن هناك فضائيات مهتمة بهكذا برامج كما هو اليوم ، ولم يكتف تلذذ صاحب الرسالة بسماع اسمه وحده بل وباسماء من أهدى لهم الأغنية فيشعر .. ويشعرون معه بنوع من النشوة. وهناك طرق تعبير عفوية تحملها بعض الرسائل كثقبها من وسطها بواسطة عقب سيكارة كتعبير عن الشوق والأسى لمرسلها وحبه لأهله واشتياقه لرؤيتهم ، وكانت معظم الرسائل تحمل على أغلفتها عبارة(شكراً لساعي البريد).

وللحروب سعاتها
 ولأننا بلاد الحروب التي تستمر سنوات طويلة فكثيراً ما كان لساعي البريد دور انساني بإيصال رسائل المحاربين لأهلهم وكانت لتلك الرسائل التي يوصلها السعاة بهجة في نفوس اهلهم تزيح عنهم القلق وتبعث الطمأنينة، اذ لم تكن خدمة الهاتف النقال متوفرة كما هو حالنا اليوم.أما في الحرب العراقية الايرانية  فقد تحول معظم الجنود الذين يعملون في وحدات الحوانيت الى سعاة بريد وهم يترددون على المدن القريبة من جبهات وحداتهم ، وكانت رسائلهم مبعث تطمين لأهلهم، شفوية كانت تلك الرسائل أم تحريرية ، وهكذا تجد في ساحات وقوف عجلات الحوانيت آباء وأمهات وزوجات وأبناء بأنتظار من يأتي من جنود الحانوت ليبلغهم بتحيات من ينتظرون أخباره. أما اذا وقع المحارب في حالة الأسر فيبقى انتظار الأهل مرتبكاً حزيناً، وهم يتابعون إذاعات الطرف الآخر بخوف وسرية لعلهم يسمعون تحيات أولادهم، أما الرسائل فقد كانت تصل بواسطة منظمة الصليب الأحمر الدولي التي كانت تخضع لرقابة مشددة من قبل جانبي الحرب.

مسك ختامها
(فيس بوك)
مع دخول خدمة الأنترنت ركن سعاة البريد في خانة الذكريات الجميلة وغدت وسائل الأتصال الألكترونية متوفرة وبإمكانك أن(تدردش) مع صديق أو حبيبة حتى لو كان في أقصى الكرة الأرضية.. وأخيراً لانقول لساعي البريد وداعاً .. بل نقول له: أنت في ذاكرتنا وهجاً جميلاً وطيباً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان