أ. د. عبد الإله الصائغ
لايحتاج الشعر الشعبي لدى الأمم كافة الى شهادة لكي يدخل وجدان التلقي وميدان الشعرية ! فلقد اسس مبدعو هذا الضرب شعرية قصائدهم من تراب ارضهم واغنيات شعبهم وذائقة متلقيهم ! وبخصوصية الشعر الشعبي العراقي الجزل، فقد ظل منهلا عذبا لشعراء الفصحى ! ومن يظن ان اللغة العربية ستكون في خطر من نسائم الشعر الشعبي وعبقه فهو يمينا لايفقه شيئا عن اللغة العربية ولا الشعر الشعبي ! فهذه اللغة التي نتكلمها ونسميها الفصحى لم تكن فصحى في وهلتها الأولى، بل كانت لهجة محلية تتكلمها قريش حسب، وثمة لغات عربية الى جانبها لاتقل خطرا عنها ولا تقل على رأي علماء اللغات عن الثلاثين ، والمعلقات السبع او التسع التي زعم انها علقت على استار الكعبة وكتبت بالذهب الأبريز، كانت علميا قصائد من الشعر الشعبي عهد ذاك . محاولتي هذه تنطوي على حميمية لشعر اهلنا ، وتوكيد على ان الشعر الشعبي كان ومازال متفوقا على شعر الفصحى ( كذا ) بشعريته العالية المؤثلة على الصورة الحارة والعبارة الموحية والنغم الخلاب، والمجاز المعجز
مدخل اول :
من يوم فركَاك جسمي من صدودك عود
هيهات عكَبك يسلّيني نديم وعود
كلما أعذل النفس روحي تكَـلِّي عود
لي صاحبن كَط محَّد كَال إله لوله
وحياة من بالمهد جبريل إله لوله
لو ما يكَولون واعرف بالحجي لوله
جنت احجي ويَّاك لا جن بالزبيبه عود .
*****
يا صاح عودي ذبل وبكل دوا مايصح
والدمع سال وجره من ناظري ما يصح
والنيب مثلي ابحنينه لو صحت ما يصح
من حيث مضروب مابين الجوانح تبن
بمعالج الروح سري لم اموتن تبن
لا تنهضم عالسبع لو صار علفه تبن
واليوم حتى التبن علف السبع مايصح .
*****
دار الملوك اظلمت عكَب الضوه بسروج
يهناك دمعي يكت إعله الوجن بس روج
والخيل لمن تردَّت واضلعت بسروج
والكدش اصبح لها عزمن شديد وباس
والزين دنَّكَـ على جف الزنيم وباس
والشهم لو عاشر الأنذال ما هو باس
من جلَّة الخيل شدوا عالجلاب اسروج
*****
* يقول المستشرق جاك بيرك : الحاج زاير هو أكبر شاعر شعبي في العراق وقصائده تدوي على كل الشفاه، منذ جيل في بيئة تلهبها محبة أهل البيت . حدث بعد وفاته أن ظهر في الحلم وحين سألوه كان مختبئا وراء صمته لكي يحافظ على السر ، وكان التوافق بين إيمانه الجماعي ومغامرات حياته الخاصة مع دوي اشعاره يعكس اندماج المكان والزمان ، وكان إلهام الشاعر الحاج زاير يهبط عليه في اي مكان حتى لو كان بين اخوانه، وبالطبع كان يرتجل المقاطع الصوفية في حب اهل البيت بالدفق الذي يوجه فيه النداءات الأنيقة الى فتاة عابرة.
* ويقول الأستاذ حسن الأسدي : هو أشـعر شعـراء الحسكة على الإطلاق وشعره صورة ناطقة لحوادث عصره وتقاليد مجتمعه وسيـرة مواطنيه ، والجيل الذي عاصره والجيل الذي تلاه يردد بإعجاب وفخر أشعاره التي يجد فيها كل شخص ما يوافق طبعه ويلائم غرضه وهذه هي ميزة الخلود التي تمتع بها سلفه المتنبي.
* أما كبير مؤرخي العراق السيد عبد الرزاق الحسني فيقول : الحاج زاير أسرع شعراء عصره بديهة ! وينشد القصيدة التي تبلغ المائة بيت ارتجالا وفي آن واحد، فيخال السامع أنه كان يحفظها منذ مدة دون إعمال فكره ! وله اليد الطولى في الموال والأبوذية والمربع والميمر .
*وكان الشاعر الشهيد، رائد حداثة الشعر الشعبي العراقي ابو مخلص الأستاذ عزيز السماوي طيب الله ثراه مجذوبا بالحاج زاير ! فهو حين يطرب يغني زهيريات الحاج زاير ، ويفرض علينا نحن اصدقاءه ان نصغي بخشوع حين يجود الزهيريات والابوذيات الزايرية ! مرة قال احد اساتذتنا في كلية التربية المسائية ( دار المعلمين العالية سابقا ) وكان استاذا سلطوياً متغطرسا : شعر الحاج زاير عسكورة الشعبي نموذج للتخلف والانحطاط ! فنهض ابو مخلص وهو يرتعش وكنت همست له : عزيز عبرها من اجلي اكَعد ، فلم يصغ عزيز لرجائي فقال للاستاذ اولا ينبغي ان نعرف ان مصطلح التخلف لايساعدك على اتهامك هذا ! فهل اتفق الدراسون على مصطلح التخلف وعن دلالة الانحطاط ؟ هل نحن متخلفون مثلا ام متحضرون ؟ هذا الصف الذي نحن فيه يا استاذي شهد عمالقة الأساتذة وكبار المناضلين المتحضرين مثل محمد مهدي البصير ومصطفى جواد وطه الراوي، وكانوا يكلفون الطلبة لكي يبحثوا عن مخطوطات الشعر الشعبي كما يبحثون عن مخطوطات الشعر الفصيح، فتخرج على ايديهم كبار المبدعين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ، فهل سيتخرج منا جيل كذلك الجيل ؟ ولم ينتظر عزيز السماوي جواب الدكتور الذي انبهر بثقافة عزيز السماوي وقوة حجته فحمل كتبه وخرج وقال لي صائغ: خلص دروسك وآنه انتظرك في سرجون .
*اما صديقي الشاعر الكبير الأستاذ شاكر السماوي فقد اهدى أنفس دواوينه – احجايه جرح – مطلع ستينيات القرن العشرين الى الشاعر الحاج زاير . وكان السماوي معجباً أيما اعجاب باعتداد الحاج زاير بنفسه في قوله : والناس كَالت مجنون ابعكَلي اقنعت بس آنه . ولهذا فقد اهدى الشاعر شاكر السماوي ديوانه الشهير – احجايه جرح – الى الحاج زاير. ويرى الأستاذ شاكر السماوي أن الحاج زاير مثابة إمام الشعر !! و الشعراء ليسوا سوى زوار في صحن زاير .
..نعم هو الحاج زاير بن الحاج عسكورة بن علي بن جبر من قبيلة بني مسلم نسبة الى ابي المكارم مسلم بن قريش بن بدران بن مقلد العبادي !! وبنو مسلم فخذ من قبيلة طفيل العربية المنتسبة الى طفيل بن عامر القيسي وتقطن بنو مسلم على ضفاف الفرات فرع الهندية ضمن منطقة نبي الله ذي الكفل ، وقد زار والده مدينة النجف التي كانت وما لبثت قبلة كل قروي طموح ، هذه المرة اصطحب عسكورة معه صغيره ( زاير ) وزاير فيه عبق التيمن بزيارة مرقد علي كرم الله وجهه , فمعنى اسم زاير عند اهل الفرات هو الذي زار العتبات المقدسة او انه موعود بزيارتها . زاير الصبي الذي يرى النجف اول مرة فيفتح عينيه على وسعهما مندهشا من مدينة تبتكر أفراحها وأتراحها ولا تكل من الاحتفالات ولا تمل . زاير يرقب المباهج التي تفتقدها قصبة بيرس . حتى المآتم الحسينية بالنسبة للقروي هي شيء من المباهج . يرقب المعالم المبنية بالطابوق كما بهرته الشناشيل والأزقة المفرطة في الضيق وأضواء الثريات المتدلية في الصحن والمساجد والحسينيات والسوق الكبير . واصوات الباعة في سوق الخضار تلك التي تحاكي الغناء . وحركة النساء في الأسواق او الأزقة او العتبات بعباءاتهن السود ( العراقيات ) والملونة ( غير العراقيات ). تعلق الصبي زاير بالنجف المدينة العبقة بالعلم والشعر والجهاد وهو يصطنع مقارنة بينها وبين قرية برس التي تنام مبكرة وتصحو متأخرة . بيرس او بورسيبا القصبة الزراعية الآيلة الأطلال وقد عانت زقورتها وقصورها وكنوزها من جهل الريفيين وجشع تجار الآثار الذين كانوا ينبشون القبور والتلال والقصور للعثور على قطع النقود والأواني والحلى الذهبية والفضية والنحاسية، أما آجرها فيبنون منه البيوت وزرائب الحيوان ، ناسين انها كانت موضع اقامة مردوك الذي انتصر على تياما في ملحمة التكوين وكان طعامة يأتيه ساخنا لأن الناس تصطف خطا من بابل الى بورسيبا وكل سابق يسلم اللاحق طعام مردوك فيصل بهذا البريد البشري بوقت قياسي !! فضلا عن ان الناس يتحدثون عن ملك اسطوري تمرد على الله ورمى السماء بالمنجنيق من زقورته فصعق وغارت قصوره تحت الأرض والناس تدعوه النمرود !!! في هذه القرية المنسية اطلق الحاج زاير صرخته الأولى وابصر النور لأول وهلة ذات شتاء من عام 1860 ويبدو ان مخايل موهبة قول الشعر بدأت مبكرة في حياته، فقد كان وهو طفل يأخذ ألالحان القروية ويؤلف عليها كلمات من عنده، فيجن جنون السامعين لهذا الطفل المعجزة ،فيعطونه لحنا ليمتحنوه فيصوغ كلمات من عنده وعلى البديهة !! وقد صقلت النجف مواهبه وعمقت إحساسه بأهمية موهبته . يقول جاك بيرك : (…. وكان التوافق المؤثر بين الايمان الجماعي ومغامرة حياته الخاصة ودوي اشعاره يحقق له حتى النهاية اندماجا يدل على المكان والزمان ،وكان الهام الشاعر يهبط على الحاج زاير وهو بين اخوانه . وفي احدى الجلسات البكائية التي يتفجعون بها على المصائب التي توالت على علي بن ابي طالب وأولاده قام زاير وارتجل شعرا مؤثرا ثم القى مقاطع صوفية ……… وها هو الحاج زاير وقد اضحى جنديا في نهاية العهد العثماني ، فأرسل الى حامية قطر ، وهناك كان ينفس عن حزنه بتنهدات بلغ من تناسقها وعمقها ان جعلت رفاقه المجندين يتحلقون حوله مما حمل القيادة على الإشفاق عليه وصرفه الى منزله ….. وها هو يعود الى السفر عام 1914 وكانت العودة مناسبة لنظم الأغاني حول مواضيع بطولية . ولسوء الحظ يهاجم الانكليز البصرة فيتقدم العلماء الصفوف على راس معركة الدفاع ضد اعداء الدين ويضطر الحاج زاير بعد استنكاره لإنسحاب العثمانيين … يضطر الى الإختباء في الكوفة ثم يعود للظهور في بغداد . ويراه الناس في جامع الحيدر خانة حيث يدعوه احد السادة الى الحرب المقدسة وكان ذلك كافيا لإثارة قريحة الشعر عند الحاج زاير ، فهو يتهيج من هياج الناس فيرتجل مرة اخرى عواطفه النبيلة في شعر مؤثر ….. ولكن صورة الحاج زاير لا تقتصر على الملامح المثالية فقط فهو اسير رغبات ذات خصوصية !!! فعند عودته من حامية قطر الى بلده وهو يعيش في وئام مع الفتى اليافع الوسيم واسمه هادي ، وقد مات هذا الحبيب غيلة فحامت الشكوك حول الحاج زاير ووجهت اليه تهمة قتل صديقه الفتى هادي ، وكانت هذه المفارقة الماساوية مناسبة لوضع اشعار جميلة تقارنه بالشاعر ديك الجن الحمصي فهو الآخر متهم بجريمة قتل مزدوجة ارتكبها بحق صديقته وحبيبته عندما فاجأهما يخونانه فقتلهما واحرقهما وصنع من رمادهما كأسين يشرب منهما بالتناوب مغنيا عواطفه.
ان البحث عن شعرية الحاج زاير يحيلنا الى شعره كافة فهو كما قال جاك بيرك شكسبير الشعر الشعبي العراقي، فأنت مثلا قبالة الصور الفنية المتدفقة الحارة والموسيقى التي تساعد المعنى على السطوع وتجمله فضلا عن ولعه باستعمال الحواس الى اقصى شحناتها . وسنرى انه يستعمل حاسة مكان اخرى وهو ما يدعوه النقاد تراسل الحواس . وسنرى انه يؤنسن النبات والحيوان والجماد بل ويؤنسن المجردات التي لا تتبع الحواس في سلوك يسمى الأنسنة أو التجسيد كما انه استعمل القناع واستثمر طاقات التناص بشكل مبهر حقا ، وتنسيقا مع الجزع وعتمات اليأس وسخرية الآخرين وشماتتهم وهم يرون خيبات زاير المتتالية وشعوره الفاتك بالاغتراب، فقد امعن تفنن الخصوم في تنكيد الشاعر وتفنيد احلامه فهم يعتدُّون ذكاءه غباء وكياسته جبنا ومشاكساته للجهل جنونا !! وكان يردد الناس كَالت مجنون !! الناس كَالت مجنون !! قارن :
ما تعلم ابحالي اشلون
شيبت واصفرّ اللون
والناس كَالت مجنون
ابعكَلي اقنعت بس آنه !!
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
الحاج زاير وشعرية الاغتراب
- 06 مارس, 2017
- 68 مشاهدة









