ان افراد باب خاص ، او كتابة سطور عن قصيدة لشاعر ما يعني ان هذه القصيدة لها شأن في حركة الشعر ، ومذاق طيب في ذائقة الناس ، تختلف عما انتجته قريحة الشاعر ، او الشعراء عموما ، وذات قيمة في وجدان المتلقين ، وهذا ما اكدته قصيدة ” للريل وحمد ” التي سنتحدث عنها في السطور القادمة ، متخذا منها الفتح الجديد لقلاع القصيدة العامية الكلاسيكية التي نفدت كل طاقاتها كما ينفد الوقود من محرك السيارة في الصحراء حيث لا تقدم للامام ولا رجوع .
هذه القصيدة مبنية في شكل كلاسيكي من حيث الوزن ، إذ انها على وزن الموال الذي يعود الى بحر “البسيط ” (1).:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
ان هذا البناء الشكلي لهذه القصيدة لم يتخذ الكلاسيكية اسلوبا له ، بل تجاوزها الى ما هو اكثر منه دقة في حمل مضمون القصيدة ، وفي بقائه من حيث التفعيلة ، فكانت بذلك اول خطوة يخطوها الشعر العامي العراقي في هدم قلاع القصيدة الكلاسيكية الاتباعية الراسخة البناء كسور الصين وأشد ، وكانت ايضا فتحا جديدا في ميدان القصيدة العامية في امور منها :
1 – من حيث الشكل والاسلوب :
اعتمد الشاعر في قصيدته هذه ، رغم البناء الداخلي للموسيقى ، واعني به التفعيلة على بحر البسيط ، على المنلوج الداخلي والتداعي الحر ، وهو الكلام الذي لا يسمع ولا يصوت به ، حيث تعبر به الشخصية عن افكارها دون تقيد بالترتيب الزمني او التنظيم المنطقي (2) ، وكذلك ازدواجه بالوجود الخارجي للاشياء الحسية منها خاصة ، وهذا ليس اطارا خارجيا ، بل هو تنظيم وتنسيق وصياغة لعناصره الداخلية ليخدم الهدف المنشود منه (3) ، حيث انه متأت من الربط بين الانا و النحن ، وهذا ما سأتحدث عنه في نقطة اخرى.
ورغم البناء الخليلي للقصيدة ، فإنه استعمل فيها ، ولاول مرة في الشعر العامي ، هذا التجانس بين الخارج والداخل ، بين الاحساس النفسي والموجودات الخارجة في منولوج داخلي .
– يابو محابس شذر ، يالشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات
ولا تمشي .. مشية هجر ..
كلبي .. بعد ما مات .
بعد مناجاته للريل ، او مناجاة الفتاة كما جاءت القصيدة على لسانها ، ينتقل بنا الشاعر الى العالم الداخلي ، بتداعي الافكار ، و بالتذكر المر / الحلو لذكريات كانت حاضرة في وقت ما ، فكانت بمثابة الماضي ، وهذه الانتقاله ، في شكل كلاسيكي صرف ، اتاحت للشاعر والشعر والشعراء العاميين من بعده ، الاستفادة من التقنية الحديثة التي جاءت بها القصيدة العالمية والعربية خاصة .
* يابو محابس شذر ، يالشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات .
* جيزي المحطة ..
بحزن ..
وونين .. يفراكين
ما ونسونه ابعشكهم ..
عيب تتونسين
يا ريل .. جيم حزن ..
اهل الهوى ، امجيمين .
ان النواب ، وعندما بنى قصيدته هذه على هذا البحر بما يحمله من انفعال ، وجلبه قوية ، وحركة سريعة ، انما جاء كرد فعل لحركة القطار الذي نظم فيه المقطعين الاوليين من القصيدة (4) حيث سرعة القطار ، و صوت زمجرة عجلاته التي تنزلق على خطوط السكة الحديدية ، كانت كلها الباعث الرئيسي لافراز مكنونات نفسه في هذا الشكل ، وكما يقول الناقد عبد الجبار عباس : (( البحر يحدد الموسيقى الخارجية للتجربة بينما تتضافر عوامل عديدة البحر اهمها في تحديد الموسيقى الداخلية )) . (5) وقد استمر النواب على هذا البحر بعد ان وجد ضالته فيه على طول القصيدة ضاربا عرض الحائط – كما يقال – احساساته الداخلية المكبوتة التي اطلقها على شكل منولوج ، فجاءت بشكل حاد وبجلبة سريعة ، ولو استعان النواب ببحر اخر كالكامل او الوافر مثلا ، اللذين يتيحان له ان يصوغ افكاره بإنسيابية بطيئة كحلم شفاف ، لجاءت القصيدة من حيث التنوع بالوزن للضرورة النفسية لحالة الشاعر ووقع تجربته التي جسدها فيه .
والنواب في قصيدته هذه قد جعل الشكل ذا بناء هرمي ،وكانت الحركة المنبعثة من خلال اشطر القصيدة بأجمعها كحركة القطار وهو يسير:
* مرينه بيكم حمد .. واحنه ابقطار الليل .
* جيزي المحطه ابحزن..
وونين .. يفراكين.
* دك بيه كل العمر .. ما يطفه عطابي .
وهناك الزمن المتجدد الذي ينبعث من القصيدة نفسها مواز للحركة ، حيث انه ليس بالشيء الجامد بل يحتل حيزا في المكان كما تقول نازك الملائكة (6) ، انه حركة ، حركة في الحدث ، وحركة في الزمن ، وحركة في المكان .
* مرينه بيكم حمد .. واحنه ابقطار الليل
واسمعنه ، دك كهوة ، وشمينه ريحة هيل .
حيث ان الافعال ، مرينه ، اسمعنه ، شمينه ، زمنها الماضي ، ولكن هل ان هذا الماضي قد انقضى ؟ هذا ما تجيبنا عنه القصيدة نافية ذلك ، اذ تقول :
* يا ريل .. صيح ابقهر .. صيحة عشك يا ريل .
وبواسطة حرف النداء ( يا) في الحاضر والذي ينادى به على القطار ، تكمن اجابة السؤال الانف الذكر .
إذن ، الفعلان مازالا مستمرين ، والحركة بالحدث والزمن والمكان مستمرة، والذي يطالع الفعلين (جيزي ، دك ) يشعر بما يمنحانه من دلالات زمنية ، وهو الاستمرارية في الحدث من حيث الزمان والمكان ، حيث الحركة المستمرة للقطار في زمن مستمر يبعثه الفعل (جيزي ) والفعل (دك) ، اي يسير بالشاعر ، اللذين حددا استمرارية الحدث وزمنه ومكانه .
لم يكن النواب غافلا عما يأتي به التكرار من اضاءة لا شعورية للعمل الادبي وللشاعر نفسه ، بل انه ، عرف بذلك او لم يعرف ، كان بمثابة القوة الخفية المساعدة لاقامة مقطوعات ووحدات صغيرة يضمها الاطار الكلي الخارجي للقصيدة .
واللازمة التي استخدمها النواب في التكرار هي البيت الاخير من المقطع الاول وراح يردده في نهاية كل مقطع من القصيدة :
* هودر هواهم ، ولك
حدر السنابل كطه .
وقد كانت هذه العبارة كالمادة اللاسقة من حيث القوة بحيث ان المقطع الذي يأتي بعدها لم يعد منفصلا عما جاء من قبله . وكانت ايضا من الحيوية والمرونة بحيث اعطت للشاعر المجال واسعا لان يستخدم التداعي وتيار اللاشعور بشكل منلوج داخلي بما تحمله من فعل ممطوط ، حالم ، تكمن فيه شفافية الحلم وحركته الهادئة وهو الفعل ” هودر ” . وايضا ، كان التكرار الذي جاء في الكلمتين الاوليتين من العبارة نفسها ، وهما الحرفان” الهاء والواو ” في ” هودر ، هواهم ” وهما من الحروف الممطوطة ، قد منح العبارة القوة والنبض الهادئ في القصيدة .
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
" ريل وحمد " ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة
- 14 مارس, 2017
- 70 مشاهدة









