تقول الناقدة نازك الملائكة : (( ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء هذا الباب “اي التكرار” ان ينتقوا العبارة على اساس غنائي )) . (7) . وهذا ما نراه في عبارة النواب المكررة
ولكن كيف تخلص النواب من هذا المنزلق ، حيث انه شكل للقارئ والمستمع مللا لا يستسيغه ؟
وبشعور ، او لا شعور ، تخلص النواب من هذا المنزلق الذي تخوفت منه الناقدة ، وذلك بتحويره للعبارة في المقاطع الاخيرة .
يقول في المقطع السادس :
* يمكن اناغي بحزن منغه .. ويحن الكطه .
وفي المقطع السابع يقول :
* خليهن يهودرن .. حدر الحراير كطه .
وفي المقطع الثامن يقول :
* بطول الشعر .. والهوى البارد .. ينيم الكطه .
وفي المقطع الاخير ، وبعد ان كاد البيت المكرر على وشك ان تنتهي مفرداته المكررة حيث تبقى في المقطع الثامن المفردة ” الكطه ” ، يعود النواب مرة اخرى ليكرر العبارة الاصلية لكي يجدد الابعاد الحركية لهيكل القصيدة ، فينهيها قائلا :
* وهودر هواهم ولك
حدر السنابل كطه .
وهكذا جاءت قصيدة ” للريل وحمد ” كأول قصيدة تطرح العلاقة الوثيقة بين الشكل والمضمون ، هذه العلاقة التي لم يلتفت لها الشاعر القديم تحت فهم قاصر للشكل الذي هو السبيل الاوفق لان يوضح ويجسد ويبين ويطور المضمون .
وقد يقال ان النواب لم يأت بشكل جديد ، فكيف تمكن من ان يسخر هذا الشكل القديم لان يحتوي مثل هذا المضمون الحديث ؟
وحقيقة ما يقول الدكتور احسان عباس حينما تكون سطوره هذه اجابة عن مثل هذه التساؤلات ولا يحق لنا ان نقول ان الشكل هو الحقيق بانجاح القصيدة وليس الموضوع هو الذي يستطيع ان يجعلها فنية ، وانما هو تلك الموهبة التي تستطيع ان تسخر اي شكل ملائم وتستغله لموضوع ملائم ، وان الجدة في الشكل لا تصنع شعرا جديدا كما ان الجدة في الموضوع تعجز عن ذلك . (8)
وهكذا كان النواب بموهبته الشعرية ، وحساسيته القديرة ، التي عرف بهما ، كالشاعر الحاج زاير ، عرف كيف يمزج بين جدة الموضوع وقديم الشكل ، فيما سقط شعراء اخرون من بعده لانعدام الموهبة وعدم تبصرهم في الربط الموضوعي بين الشكل والمضمون ، عادين ان الشكل الجديد ينتج شعرا جديدا ، وشاعرا جديدا .
***
2 – من حيث المضمون :
السؤال الذي يطرح نفسه ، هل جاء النواب بمضمون جديد لم يسبقه احد من الشعراء العاميين ؟ ام انه سقط في هوتهم المظلمة العقيمة كما سقطوا هم ولم ينهضوا ، إذ راحوا يراوحون في ذلك القعر المظلم بسذاجة غبيه ؟
الاجابة عن هذا السؤال هي ذات حدين : نعم ، ولا .
عندما نجيب بنعم فإنه بذلك قد اغرقته رائحة ذلك القعر المظلم وراحت ساقاه تدوس في اوحاله بحركة موضعية لا تلبث ان تعود بعد ان ترتفع متخذا المراوحة سبيلا له في كتابة الشعر.
وتأتي الـ ” لا ” كضربة عصا ساحر ماهر لتوقف هذه المراوحة ولتقول كلمتها ذات الدلالة السحرية العجيبة لتفتح الباب المظلم ولتطلق القصيدة العامية من عقال فرضه عليها التخلف والامية والتقوقع الذي دفع بالشعراء الذين سبقوه ان يراوحوا في اماكنهم الا ما ندر .
وهكذا كانت القصيدة ، وهكذا كانت الاجابة بنعم حيث الموضوع القديم وهو ” الهجر ، والسفر ” ، وهكذا كانت الـ ” لا ” بما طرحه النواب من مضمون جديد لموضوع قديم باسلوب جديد تناول فيه الموضوع البسيط والخطير هذا ، وهنا يتشعب الكلام الى شعبتين نوجزها في النقطتين الاتيتين :
* اشفنه من عدكم ؟ وشنهي البيه تهنينه؟
اشكعدنه واشتحاذينه معاكم واشتحاجينه
واجيت بيا عذر واقبل اسامحكم وابريكم
روح وكل خطياتي وراكم .. ما تبريكم
شبريكم .. شبريكم
روح الله ابمكاني اليحاكمكم ويقاضيكم
روح ولا تظن ارحم وابريكم شبريكم
روح وكل خطياتي وراكم ما تبريكم
شبريكم شبريكم (9)
* يا ريل طلعوا دغش ، والعشك جذابي
دك بيه كل العمر .. ما يطفه عطابي
نتوالف ويا الدرب .. وترابك ترابي
وهودر هواهم ، ولك .. حدر السنابل كطه ..
انه ارد الوك الحمد .. ما لوكن لغيره
يجفلني برد الصبح .. وتلجلج الليرة
يا ريل بأول زغرنه .. لعبنه طفيره
وهودر هواهم ، ولك .. حدر السنابل كطه . “10”
هنا يخرج النواب من معطف الشعراء العاميين الذين سبقوه ، و الذين كانوا يترجمون افكار الحقد والانانية عند تصوير هجر الحبيب لحبيبته ، انهم يرون الجانب اللاانساني في الانسان ، بينما يرى هو الجانب الانساني الخير في الانسان ، إذ يبقى الاخلاص والود حجر الاساس في قصائده.
فحين يترجم الاخلاص تعبق كلماته برائحة العنبر فتفيض صدقا وبساطة .
ان المثالين اللذين اوردتهما في السطور السابقة ، الاول من الشعر العامي القديم ، والثاني من قصيدة للريل وحمد ، هما اللذان يحددان لنا مدى اخلاص شخصية “بطل “القصيدة في حبه وصدقه ، حيث كان الشاعر القديم يدعو الله ان يجازي حبيبته على هجرها ، فيما نرى النواب بعد ان احس بالهجر ، وبعد ان عرف ” دغش ” حبيبته راح يستعيد لحظات حبه بما تفيض به نفسه من حب لها فيصفها قائلا :
* جن حمد فضة عرس جن حمد نركيله
مدكك بمي الشذر ، ومشله اشليله
يا ريل ثكل يبويه وخل اناغيله
يمكن اناغي بحزن منغه ، ويحن الكطه .









