ثقافة شعبية

(للريل وحمد) ومستلزمات القصيدة العامية الحديثة

قراءة: داود سلمان الشويلي
قلت ان النواب قد انطلق من الخاص الى العام ، ولما كان الخاص هو ” الهجر ” ومن ثم الفصل من الوظيفة ، فكان ذلك معبرا عن العام وهو ما كان يعانيه الشعب من اوضاع متردية ، وهكذا جاءت قصيدته صورة معبرة عما يحسه في دواخل نفسه من حزن وتوهج في اللاوعي .
وبهذا الربط التام بين الشكل والمضمون من جهة ، وبين ” الانا ” و ” النجن ” من جهة ثانية ، قدم لنا النواب قصيدة فيها من السمات الرئيسية للقصيدة الحديثة الكثير .
***
3 – الصورة :
ان النواب في قصيدته هذه برومانسيتها العذبة التي بناها على فيض تلقائي لعواطف قوية ، وباعتماده الكلي على المونولوج الداخلي والتداعي التلقائي في الصور ، فقد منح قصيدته بعدا تشكيليا اجاد فيه ، حيث قدم لنا في بعض من مقاطعها لوحات ذات تنقلات جزئية ، حيث اعتمد في لوحاته التي كون منها البناء الكلي للقصيدة على النقلات الجزئية ، فكانت صوره بذلك تتخذ لها مساراًت في العلاقات فيما بينها ، نحو الصورة المركبة في المقطع الواحد .
* جيزي المحطة ابحزن   .. و ونين يفراكين
ما ونسونه ، ابعشكهم .. عيب تتونسين .
* يابو محابس شذر ، يلشاد خزامات
يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات.
من خلال هذه العلاقة التركيبية للصورة ، فقد منح النواب صوره بعدا حسيا تخيليا ، حيث انه ربط بين التصور الحسي العياني للاشياء وبين التصور الخيالي لها ، فكانت صوره ذات دلالة حسية وخيالية في آن معا .
* جيزي المحطة ابحزن   .. و ونين يفراكين.
* يا ريل .. جيم حزن … اهل الهوه ، امجيمين.
* يا ريل بالله .. ابغنج .. من تجزي بأم شامات .
من خلال هذه الصوروغيرها ، نقل النواب حالته النفسية وقت كتابة القصيدة ، وارتباطها الموضوعي فيما حوله من حركة و اشياء مرئية ، حسية ، وما تفيض به نفسه من صورمتخيلة على الرغم من حسيتها .
فالقطار عندما ” يجزي المحطة = يتركها ” بصورته هذه الحسية لا يمكن ان ” يون = من انين ” فكيف جمع النواب النقيضين في صورة واحدة ؟
والجواب على ذلك كما يقول الجنابي (16 ) : (( ان ترابط الصور داخل القصيدة بضرورة نفسية وفكرية  محدودة هي نفسها التي تجعل من الضرورة ان يعبر الشاعر عن العلاقة بين الاشياء ومشاعره )).
والالفاظ التي يستخدمها النواب على الرغم من انها الفاظ  حسية مرئية (محطة ، ريل ، فراكين ، شامات) فانه يمنحها حسا تخيليا ايضا ناقلا لنا تجربته النفسية وذلك بالتدخل بين هذه الاشياء (الحسية والتخيلية ) والايحاء الذي تتخذ به اللفظة ذات الطاقة الشعرية النابضة بالانفعال .
ولم تكن ” للريل وحمد ”  – القصيدة – مختصة بهذا الشكل الصوري الذي يندمج فيه الحسي بالتخيلي ، بل ان النواب يسير بصوره هذه في جميع قصائده التي كتبها بعد هذه القصيدة .
* ميلن .. لا تنكطن كحل .. فوك الدم
ميلن .. وردة الخزامة .. تنكط سم .
* صويحب على العكل ..  صندوك عرس .. اجبير
حزمة من الحصاد .. ايلفها .. طيب جبير .
* هذي الجلمة .. تموت بحزنك .. والروح اخضيره بطاريكم
وتهوى العبرة .. كيف يضون … ظلمات لياليكم .
***
4 – اللغة والمفردة :
انطلق النواب يلم اشتات صوره بالمفردات الرامزة للاشياء ، والتي تسمح للصورة بأجمعها و المتكونة من مفردات طبيعية ، ايحائية ، خيالية ، على الرغم من حسيتها ، حيث يتفق مع جارودي على ان مهمة الكلمات ليست محاكاة الاشياء والتشكل عليها بل على العكس ، تفجير تعريفاتها وحدودها النفعية ، ومعانيها التقليدية الشائعة الاستعمال لنستخلص منها امكانيات غير متوقعة وامالا  ومعاني كامنة مدهشة تحملها في طياتها . (17)
والنواب بفهمه المعاصر وثقافته التي اتاحت له ان يقرأ الشعر الحديث عربيا ام اجنبيا مترجما ، قد حدد له قاموسا اثر في الكثير من الشعراء العراقيين العاميين الذين جاؤوا من بعده ، وهذا القاموس هو خليط من لغة الشعراء العاميين القدامى ، والتي اسميها لغة التراث العامي ، وخاصة الريفية منها ” الحسجة “، وبين حداثتها حيث لغة التراث قد تخلصت من ادرانها وتحجرها ، ومنحها طاقة شعرية خلاقة ، وهذه المفردات لم تكن عند غيره من الشعراء الذين سبقوه ذات ميزة شعرية موحية لو استخدموها هم ، بل انه ، ومن خلال صوره الجديدة ، منح المفردات تلك حسا جديدا وطاقة شعرية كبيرة ، فكثيرا ما تصدمنا كلمات قديمة مثل ( عيب ، جيّم ، امجيمين ، تلجلج ، مدكك ) وهي قد استعملها الشعراء الذين جاؤوا قبله فسحقوها سحقا ذريعا ، فجاء النواب ليمنحها طاقة شعرية كبيرة وجديدة ، وذلك باستعمالها الذكي ، وهكذا كان الشاعر مجيدا بقصيدته ، حيث انه كان قادرا على السيطرة على لغته وتطويعها لما يريد . (18)
* يا ريل .. طلعوا دعش … والعشك جذابي .
* يا ريل جيم حزن .. اهل الهوه امجيمين .
***
الهوامش :
1 – البحر البسيط المخبون – فن التقطيع الشعري – د. صفاء خلوصي – ص 65 .
2 – دراسات في الادب العربي المعاصر – يوسف الشاروني – ص 155 .
3 – تأملات في عالم نجيب محفوظ – محمود امين العالم – ص 14 .
4 – يقول ابو نصير في مقاله ( الثورة والعمق والحب والموسيقى الشعرية في قصائد مظفر النواب ) في نشرة المصلحة العدد / 180 / 1972 : ( ان اول قصيدة كتبها النواب كانت في عام 1956 حيث كان ذاهبا بالقطار الى البصرة بالدرجة الثالثة وكان مفصولا من التعليم وبدافع من جو القطار والليل بدأ محاولة ” للريل وحمد ” وقد كتب ثلاث مقاطع في القطار واكمل الرابع في البصرة وفي عام 1958 اكمل بقية المقاطع ، ولم يكن ذلك للنشر وليس بهدف اي مقاييس فنية غير الحس الذي لدى شاعرنا مظفر التواب ) .
5 – السياب – عبد الجبار عباس – ص 40 .
6 – قضايا الشعر المعاصر – نازك الملائكة – ص 214 .
7 – المصدر السابق – ص 252 .
8 – بدر شاكر السياب حياته وشعره – د. احسان عباس – ص 169 .
9 – قصائد مختارة – عبد الامير المظفر – ص 169 .
10 – من قصيدة ” للريل وحمد ” .
11 – مجلة الثقافة الجديدة – مقالة عن للريل وحمد – عبد الكاظم البياتي – 235 .
12 – ادب المقاومة – غالي شكري – ص 363
13 – المصدر السابق – ص 360  – يقول المؤلف : (( وبالرغم من ان فؤاد حداد يستخدم عامية المدن الا ان التركيب الشعري – ولا اقول اللغوي – لقصيدته يبتعد كثيرا عن مواويل ريف الدلتا ، وانما هو يتأثر غاية التأثر بالموال الصعيدي )).
14 – المصدر السابق – ص 363 .
15 – فن الشعر – د. احسان عباس – ص 28 .
16 – في الرؤيا الشعرية المعاصرة – احمد نصيف الجنابي – ص 136 .
17 –  الرؤيا الابداعية في شعر البياتي – عبد العزيز شرف – ص 117 .
18 – المصدر السابق – ص103 .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان